رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشيخ جراح والضمير العالمى

ثمة رجل ينتحب وإلى جواره عشر جثث من عائلة واحدة، صورة تضع متلقيها فى قلب المحنة، حيث العجز، والحسرة، والبكاء، وفى سياق آخر، وعبر صورة أخرى ثمة رضيعان يصعدان متشبثين بالسلالم الحجرية، يرنوان صوب المستقبل، هذا فى الدلالة الأولى للصورة المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعى لرضيعين من فلسطين، لكن ثمة تأويلات أخرى تنفتح عليها تلك الصورة الملهمة، بدءا من قدر الأسى الذى يلوح فى أعين كان نصيبها من البكاء أكثر من الفرح. وبغض النظر عن صورة الرضيعين المتداولة وزمنها فإنها تظل كاشفة عن جملة من الدلالات حول ضرورة أن تتبلور الإرادة الفلسطينية فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. يستدعى ما يحدث لأشقائنا فى فلسطين من دك للمنازل، وتشريد للآلاف، وقتل عشوائى تتجاور فيه جثث الأطفال والرجال، مجموعة من الأسئلة اللافتة حول ما يسمى الضمير العالمي، وهل حقا وجد ما يسمى الضمير العالمي، وما محدداته؟ وهل هذا الضمير انتقائى أم أنه لا يعرف سوى مسار واحد ينحو فيه صوب العدالة أينما تكن، وبما يقودنا أيضا إلى معاينة واقع النخبة فى العالم، وموظفى الأيديولوجيا، والمثقفين التقنيين، وصورة المثقف نفسها التى رأى المفكر الراحل إدوارد سعيد أنها يجب أن تكون أعلى تمثيلات الحقيقة. وربما لا تحتاج مثل هذه الأسئلة إلى إجابات صارمة قدر ما تحتاج إلى تأمل واسع، فإدارة العالم الجديد يتأرجح فشلها فى كل مشكلة حقيقية تواجه أى منطقة صراع فى العالم، خاصة إذا تجلت الأزمة فى سياق محتدم يعزز فيه المستعمر سياساته العملية كل يوم على الأرض. إن تأمل الأحداث التى تجرى فى فلسطين فى الأعوام الثلاثين الأخيرة، يحيلك على الفور إلى ملاحظة مهمة، تتمحور حول تغول السياسات الاستيطانية، ومنها ينطلق الشرر، فمحاولات محو التركيبة الجغرافية والسكانية للمكان غاية ممنهجة للتوسع المتزايد والأطماع الصهيونية فى المنطقة ككل.

وتبدو محاولة انتزاع الأرض من مالكيها الأصليين، ومنحها للوافدين، لعبة متواترة منذ عقود طويلة، وفى هذا المسار يأتى ما حدث فى حى الشيخ جراح، الذى تم طرد بعض من عائلاته الفلسطينية من أماكنهم وإحلال مستوطنين مكانهم، وربما اكتسب الأمر خطوة متصاعدة بحكم الموقع الجغرافى للحى نفسه فى القدس الشرقية، ومن ثم الامتداد التاريخى للمكان، وإعمال آلة التدمير الإسرائيلية قدرتها مبكرا فى المعركة، والتظاهرات الممتدة فى عموم فلسطين، والرد الصاروخى المتاح على الاعتداء.

ربما تمثل هذه أسبابا موضوعية فى تبيان ما حدث، غير أن فروقا أخرى جوهرية تجعل اللحظة مختلفة عن مثيلاتها فى العقدين الأخيرين على سبيل المثال، من أبرزها الحضور المتزايد للعالم التكنولوجى الجديد، الذى صار رديفا للواقع، حيث هيمنة ثقافة الصورة، وغلبة الوسائط التقنية التى جعلت عوالم السوشيال ميديا طرفا فى المواجهة.

ولم تعد آلة التدمير الإسرائيلية قادرة على المرور العابر مثلما كانت، حتى لو كان الضمير العالمى مشوشا، فرؤية الضحايا على شاشات الهواتف وهم يسكبون الدماء، ومشاهدة البيوت وهى تنهار، جميعها كفيلة بإحداث هذا التعاطف الإنسانى الذى تجاوز الشعوب العربية إلى شعوب الأرض جميعها، وبما أعاد القضية الفلسطينية العادلة إلى بؤرة الاهتمام من جديد فى العالم وسط أجواء تدعو جميعها إلى العزوف، وتكرس للعزلة، والاهتمامات الداخلية.

إن مساءلة الضمير العالمى علامة على صحة البنيان، فعلى العالم أن يراجع نفسه، فالتجبر واستعراض القوة لم يكونا أبدا ملامح للإنسان الحر الذى يبغى المحبة، قبل أن يبغى السلام.

يبدو الموقف المصرى منطلقا دوما من ثوابته الوطنية والقومية التى منحته قوة التأثير المستمر، خاصة أن الحضور المصرى فى القضية الفلسطينية كان حضورا تاريخيا ممتدا وداعما لأشقائنا فى فلسطين، وكان القرار بفتح المستشفيات المصرية لاستقبال الجرحى تعبيرا عن تضامن فعلى لا شعاراتى مع القضية، فضلا عن الجهود المصرية المستمرة التى أعلن عن بعضها، فمصر لا تفعل كما يفعل البعض حين يُسوق نفسه من خلال أجواء الصراع، لكنها تنهض بدورها التاريخى بحق، بلا تزيد، وبلا رعونة، وبلا استعلاء.

وبعد.. إن الحقيقة التى تتخطى نسبيتها تتمثل فى حق الشعوب فى نيل حريتها، فى تفعيل القانون الدولي، والانتصار للمعنى الإنساني، فى حل يقوم على العدل والسلام، فى إشاعة المحبة والتسامح، ورفض الكراهية والتعصب، فى معاينة عالم أجمل، يخلو من الحرب والضغائن والشرور والأحقاد الصغيرة، يحرس المحبة ويقوى الإنسان ويدعم وجوده الحر، وحقه فى الحياة والفرح، ومواجهة الموت والأحزان.


لمزيد من مقالات د. يسرى عبدالله

رابط دائم: