رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مستويات العداوة ومراتب الصداقة

للدول منطق يحكم سلوكها، ويشكل عقل مؤسساتها، فيكون لكل مؤسسة عقل تفكر به فى القضايا التى تقع ضمن اختصاصها؛ بغض النظر عن الكوادر البشرية التى تديرها، بحيث يكون للكرسى تأثير على من يجلس عليه بحكم التقاليد التى ترسخت فى المؤسسة. وعندما يتحقق هذا، ويستقر منطق الدولة يكون أى كيان سياسى يشغل إقليما جغرافيا؛ يستقر فيه شعب، وله حكومة وعلم ونشيد قد أصبح دولة حقيقية، وإن لم يستقر هذا المنطق يظل هذا الكيان شبه دولة؛ حتى تنضج مؤسساته ويصل عقلها إلى مرحلة الرشد، ويستطيع التفكير والتدبير، ولا يحتاج أن يدار من قبل كيانات سياسية أخري.

وقد أبدع الأديب جمال الغيطانى رحمة الله عليه فى روايته الرائعة «حكايات المؤسسة» فى وصف ذلك العقل الذى يحكم تفكير المؤسسات فى الدول الراسخة، وكذلك فعلت الدكتورة مارى دوجلاس الأستاذة بجامعة سيراكوز الأمريكية فى كتابها «كيف تفكر المؤسسات How Institutions Think» الصادر عام 1985. يتجلى منطق الدولة من خلال قدرة مؤسساتها على التعامل مع الأزمات المتعددة الأبعاد والمتشابكة فى طبيعتها، والحادة المفاجئة والسريعة فى حركتها، هنا فقط تظهر طبيعة الدولة، وطبيعة ومستوى نضج مؤسساتها. وهنا أيضا يمكن التمييز بين سلوكيات أنواع ومستويات ومراتب من الدول.

والأساس الراسخ الذى تبنى عليه مؤسسات الدولة هو مفهوم الأمن القومي، ذلك المفهوم العميق الدقيق الذى يضع إطارا عاما لحماية كيان الدولة من أى تهديد حالى أو مستقبلي، ويحدد قواعد التعامل مع هذه التهديدات، وجوهر مفهوم الأمن القومى فى التطبيق العملى هو التمييز الدقيق والصارم للعدو من الصديق، وتحديد مستويات العداوة بين الأعداء، ومراتب الصداقة بين الأصدقاء، فليس كل الأعداء على نفس الدرجة وليس كل الأصدقاء على نفس المستوي، وبراعة المؤسسات المنوط بها حماية الأمن القومى هو وضع ذلك الميزان الدقيق لترتيب الأعداء والأصدقاء ترتيبا يميز درجة العداوة والصداقة بصورة غاية فى الدقة وبدون انفعال أو عاطفية.

وهذا التحديد للعدو من الصديق ولدرجات ومستويات العداوة والصداقة ليس تحديدا نظريا، ولكنه فى الحقيقة يظهر فى السلوك الفعلى للدولة خصوصا فى اللحظات التاريخية الفارقة التى تصنعها الحوادث العميقة المفاجئة. هنا فقط تظهر طبيعة الدول، ودرجة نضج مؤسساتها، وهنا فقط يتم التمييز بين المؤسسات الناضجة الراسخة، وتلك المراهقة الطائشة. ففى اللحظة التاريخية التى نعيشها الآن فى فلسطين يستطيع الباحث الجاد أن يميز بين أصناف وأنواع من الدول طبقا لسلوكيات مؤسساتها. فهناك نموذج السلوك المراهق الانفعالى الذى لا يتجاوز عقلية طالب المرحلة الثانوية على الرغم من أنه يصدر عن رئاسة دولة، أو وزارة خارجية، فيلجأ إلى خطاب عاطفى مبالغ فى التهديد والوعيد، ولا يفعل شيئا على أرض الواقع؛ متناسيا أن العمل السياسى للدول هو سلوك فعلي، وليس لغة خطابية جوفاء.

وهناك نموذج السلوك الانسحابى الذى يختفى خلف تصريح ضعيف موجه إلى طرف ثالث هو النمسا، لأنها رفعت علم إسرائيل، أو يكتفى بمكالمة من قائد فيلق القدس الذى يرفع شعار القدس منذ أكثر من أربعين سنة، ويختفى عندما يتم تهديد القدس، ويكون أكبر إنجاز له هو الاتصال بقائد حركة حماس المقيم فى قطر، وليس بقادة نفس الحركة فى غزة، وهذا هو النموذج الإيرانى الذى ملأ العالم الإسلامى ضجيجا بقضية القدس، وجعلها ذريعة لتدمير أربع دول عربية، فأمر صنائعه وغلمانه فى اليمن والعراق ولبنان وسوريا برفع شعار فلسطين والقدس والتهديد بالموت لإسرائيل، وعندما وقعت الواقعة اختفى كل هؤلاء، واكتفوا ببعض الكلمات الجوفاء من غرف مغلقة مؤمنة.

وفوق هذا وذاك نموذج ينطلق من منطق الدولة العريقة الراسخة، ومن مؤسسات مستقرة تجيد ببراعة إدارة الأزمات، وتتصرف بنفس المنطق الذى وصف به الرئيس الروسى فلاديمير بوتين نفسه فى كتابه «القيصر الجديد» حيث قال « أنا صاحب عقل بارد، وقلب ساخن، ويد نظيفة»، هكذا تعمل مؤسسات الدولة المصرية بعقل بارد وهادئ جدا، ومن ثم حكيم ولا يطيش مع الانفعالات الوقتية، وقلب ساخن وملتهب حرارة خوفا وحرصا على أهل غزة وعلى سائر أهل فلسطين، ويد نظيفة لا تريد منافع ولا تتاجر بآلام وآمال الشعب الفلسطيني.

لقد أثبت التاريخ الحديث والتطورات المعاصرة أن مصر تخدم قضية فلسطين ولا تستخدمها، وتعمل كل ما ينفعها ولا تنتفع من ورائها، وأن مؤسسات الدولة المصرية تدرك بعمق شديد مفاهيم الأمن القومى ومراتب ومستويات الأعداء، وكذلك مستويات الأصدقاء، وأن ذلك الترتيب يتم تطبيقه عمليا فى التعامل مع حركة حماس، وكذلك مع إسرائيل، وأنها أيضا تدرك وبعمق ترتيب المخاطر التى تهدد الأمن القومى العربى والمصري، وأن فلسطين الآن أولوية على باقى المخاطر الأخرى القادمة من الغرب والجنوب، وأن مصر لا يمكن أن تغرق فى مشكلة واحدة، لأن لديها مؤسسات راسخة قوية، كل منها يتكون من قطاعات متنوعة، والجميع يعمل بالتوازى على جميع الجبهات حتى وإن انشغل رأس المؤسسة فى لحظة ما بواحدة منها، ولكن الحقيقة ان العمل يسير بالتوازى لتوافر الكوادر البشرية المؤهلة لأداء مهامها. وتبقى مصر هى مصر ومن لم يستطع إدراك ذلك فليسأل ربه أن يخرج له مما تنبت الأرض من عدسها وبصلها.


لمزيد من مقالات د. نصر محمد عارف

رابط دائم: