رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثروت عكاشة.. القيمة والأفق «10»

وكما حقَّق ثروت عكاشة المبدأ الأول للسياسات الثقافية وهو «الحرية»، حقق المبدأ الثانى وهو «التنوع الثقافى». أعنى التنوع الذى يجعل الثقافة المصرية حقًّا لكل مواطن مصرى من أفقر فقراء الريف إلى أغنى أغنياء المدينة، ومن كل ما يجمع بين المسلم والمسيحى دون تفريق، وذلك تأسيسًا لثقافةٍ مدنية تضع الوطن قبل الدين فى الأولويات نفسها التى كانت تعبر عنها ثورة 1919 التى نادت بأن: «الدين لله والوطن للجميع». ولم تكن وطنية الثقافة المتنوعة مرتبطة بالتنوع الدينى الذى كان يضم المسلمين والمسيحيين واليهود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية التى شهدت فى أعقابها ظهور دولة إسرائيل، وإنما كان التنوع يشمل التركيبة الطبقية فى مصر، فَيَصل ثقافيًّا بين أفقر أبناء القُرى وأغنى أبناء المدينة من الأفندية والأعيان والبكوات والباشوات الذين سرعان ما أصبحوا أفندية بدورهم بعد تطبيق قوانين الإصلاح الزراعى وإلغاء الألقاب فى الوقت نفسه. واتسعت دائرة هذا التنوع بعد مجانية التعليم، وإقرار أفكار طه حسين القديمة. وهكذا ارتبطت الثقافة الواعدة بعد نهاية الخمسينيات بأجيال واعدة من الجماهير التى احتاجت إلى أنواع جديدة من الفنون كان أولها المسرح المصرى الذى احتاج إلى تطويره بما يُلائم اتساع الجماهير المُشاهِدة له، وهو الأمر نفسه الذى حدث مع الفنون التشكيلية التى انفتحت متاحفها المُغلقة على أبناء قوى الشعب العامل، وصارت رافدًا ثقافيًّا مُضافًا إلى روافد إنتاج الثقافة وأدواتها.

وكانت النتيجة أن اتسع العمل فى وزارة الثقافة، وفرض الواقع النوعى البشرى المتغير إعادة تنظيم قطاعات الثقافة من داخل وزارتها، فى موازاة بروز الحاجة إلى جهازٍ تعليمى يتناسبُ مع الوضع الثقافى الجديد. ومن هنا برزت فكرة إنشاء «أكاديمية الفنون» فى وعى ثروت عكاشة الذى سرعان ما تحمس لإنشائها، وألحَّ على عبد الناصر لكى يكتمل هذا الإنشاء الذى أعلنه عام1959. وعندما اكتمل إنشاء أكاديمية الفنون أصبح لها سمات الجامعة المُضافة إلى قوة الجامعات المصرية. أعنى بذلك إضافة قوة جديدة إلى النظام التعليمى فى مصر، وإضافة مجالات جديدة لآفاقه، وفى الوقت نفسه، توسيع إدارات وزارة الثقافة والامتداد بأدواتها أفقيًّا. وهو الأمر الذى ارتبط بما اقترنت به الوزارة من إنشاء «قوافل ثقافية» تحقق فكرة طه حسين القديمة فى أن الثقافة والتعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن مصرى.

هكذا لم تصبح الثقافة فى منزلة الإعلام بالمعنى الموجود فى الدول الاشتراكية، وإنما أصبحت الثقافة فى منزلة أجهزة بناء للوعى المصرى العام وتطويره والارتقاء به كمًّا وكيفًا. وهو الأمر الذى ترتب عليه اتساع هيكل وزارة الثقافة رأسيًّا وأفقيًّا، وذلك نتيجة لاتساع وظائفها وأهدافها فى المجتمع المصرى، خصوصًا من حيث الإسهام فى تكوين الوعى الوطنى وتطويره رأسيًّا وأفقيًّا، بما يؤكد الحيوية فى بناء الثقافة الوطنية والإضافة إلى ما يتجمع حول هذا المعنى من نتائج واعدة تخلق لنفسها أشكالًا جديدة من الحضور. ولا شك أن هذه الأشكال قد أصبحت قائمة وفاعلة عندما ظهرت مُشكلات لم تكن فى الحسبان مع ضرورة إنشاء السد العالى وما اقترن به من عملية إنقاذ آثار النوبة، وهى عملية نجح ثروت عكاشة بأن يجعل منها عملية عالمية أسهمت فيها كل الدول لإنقاذ الآثار المصرية.

وكان هذا كله يعنى تأسيسًا جديدًا وكاملًا لسياسات ثقافية تقوم على:الحرية، والانفتاح، والتنوع، وتحقيق العدالة فى العناية بالفنون الكلامية والنَّغمية والحجرية على السواء، ومن ثم عدم الفصل بين الإبداع فى الحاضر والماضى. فالفارق بين الأثر القديم والإبداع الجديد هو فارق فى الشكل وليس النوع؛ لأن كلًّا منهما إبداعٌ، ومجالٌ للفعل الخلاق الذى تقوم به وزارة الثقافة سواء فى علاقتها ببناء الوعى الوطنى، أو فى علاقتها ببناء الوعى العام الذى يرتبط ارتباطًا مُباشرًا بعملية التنمية. هكذا اكتملت السياسات الثقافية فى وعى ثروت عكاشة ونقلتها ممارساته وكتاباته النظرية إلى كل مَن تأثر به وحاول الإسهام فى تطبيق هذه السياسات أو المُضى بها إلى الأمام. وما أظن أن هذا قد حدث فعلًا إلا فى عهد فاروق حسنى الذى أعتبره أخلص تلاميذ ثروت عكاشة والأقرب إلى تصوراته الحقيقية فى إستراتيجيات العمل الثقافى. ولم يحقق ثروت عكاشة هذه السياسات على أرض الواقع، فقد تكالبت عليه بعض القوى الرجعية وأفلحت فى إزاحته عن وزارة الثقافة – بعد توليه إياها من أكتوبر 1958 إلى سبتمبر 1962 - وظهر ذلك فى نقله من الوزارة التى أحبها إلى البنك الأهلى المصرى الذى أصبح رئيسًا لمجلس إدارته لأربع سنوات «من 1962 إلى 1966». ولحسن الحظ ظهرت الحاجة إليه مرة أخرى، وشعر عبد الناصر نفسه بأهمية وجوده ليحقق معه أحلامهما حول الثقافة المصرية، فأعاده مرة أخرى للوزارة «من سبتمبر 1966 إلى نوفمبر 1970» ليصبح مجموع ما قضاه فى وزارة الثقافة بالفعل نحو ثمانى سنوات هى السنوات التى حقق فيها بالفعل تصوراته عن السياسات الثقافية، وهى تصورات مُتقدمة إلى أقصى درجة وحتمية إلى أبعد حد بمقاييس تلك السنوات. والمؤكد أن السياسات الثقافية التى اكتملت فى زمن ثروت عكاشة كانت نبراسًا ودليلًا لكل وزراء الثقافة الذين جاءوا بعده. ولكن لكون السياسات الثقافية التى وضعها ثروت عكاشة ابنة زمنها، وبسبب ما حققته من نجاح فى زمنها، فإنها تفرض علينا أن نعاود النظر فى مدى النجاح، ومن ثم إلقاء الأسئلة الحرجة عن زمننا، وهى: «هل يكفى ما حققه ثروت عكاشة فى زمنه لكى نعيد تحقيقه فى زمننا، أم ينبغى الإضافة عليه؟ وكيف؟ وبأى وسيلة؟»

هذه هى الأسئلة التى تركها لنا ثروت عكاشة الذى يستحق بجدارة لقب «رائد النهضة الثقافية الكبرى فى مصر المُعاصرة»، لكى يجيب عنها كل مَن يطمح إلى العمل الثقافى ويسعى إلى الإضافة لما اكتمل على يدى ثروت عكاشة من سياسات ثقافية، وأزعم أنه لم يوجد وزير ثقافة مصرى بعده قد فَهَم هذه السياسة استوعبها وطبَّقها كاملة وسعى فى تحقيقها، بل الإضافة الكمية لها مثلما فعل فاروق حسنى. أما غيره من الوزراء فقد مَضَى على ما تركه ثروت عكاشة من ميراث، ولم يُضف إليه شيئًا حقيقيًّا. (تم)


لمزيد من مقالات د. جابر عصفور

رابط دائم: