رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدراما المعهودة والبوصلة المفقودة

عندما تتأمل أحوال الشاشة الصغيرة على مدى شهر رمضان الذى ودعناه منذ يومين ستجد انك أمام تزاوج غريب عجيب بين دراما وإعلانات يوحدهما شىء واحد هو الإصرار على تقسيمنا وتغريبنا عن مجتمعنا ويضعنا فى حالة تقتضى البحث عن بوصلة تحدد اتجاهنا والى اين؟. أما الدراما فهى باستثناء عدد قليل من المسلسلات خاصة الوطنية (الاختيار2) فنجد معظمها لا يعبر عنا نحن أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا اللتين تشكلان معظم أبناء الشعب المصرى، فالمسلسلات التى عرضت لا تنتمى للحارة المصرية التى جسدها نجيب محفوظ وأسامة أنور عكاشة. كما لا تنتمى هذه الدراما للصعيد الذى عبر عنه محمد صفاء عامر فى مسلسلات ذئاب الجبل والضوء الشارد، وعبد الرحيم كمال فى (شيخ العرب همام) وغيرهما، حيث شاهدنا كيف جسدت هذه المسلسلات بيئة الصعيد وأجواءها وكيف تم مراجعة اللهجة بدقة ومهارة عالية وكيف كان الإخراج مبهرا . اما فى بعض المسلسلات التى عرضت هذا العام فوجدنا خلطا بين الجدعنة والبلطجة، وكلمات سوقية، وتدخينا شرها طوال الوقت، ومشاهد مبتذلة، رفضها الجمهور الواعى عبر شبكات التواصل الاجتماعى فى العديد من الصفحات ، وانقل منها واكدت العديد من التدوينات على وسائل التواصل الاجتماعى أن ما يعرض فى هذه المسلسلات: مش سكّتنا، ولا عمرها هاتكون نظرتنا لبعضنا, ولا بنتى تصاحب واحد وانا أبقى عارفة وراضية؟ ولا بنات يسهروا مع بعض فى شقة فى الساحل وبموافقة الأهل؟ ولا خيانات على التليفونات، ولا تسجيلات صوتية وفيديو علشان اللى يهددنى أهدده واللى يفضحنى أفضحه. واما المسلسلات التى تناولت الصعيد فقد كانت ردود فعل أبناء الجنوب عبر شبكات التواصل الاجتماعى كافية لتأكيد انها لا تمثلهم، ولعل ما كتبه الدكتور حسن على أستاذ الإذاعة والتليفزيون بكلية اعلام السويس نموذجا دالا على ذلك : صعيدى أنا، ميلادا ونشأة ،أعرف الكثير عن الصعيد.. أفتش عنه فى دراما هذا العام وأعوام سابقة فلا أجده ..! تستفزنى تلك الدراما القائمة على (عمة وجلبية وبوق معووج) فتصبح فى نظرهم معبرة عن الصعيد..لا أنا ، ولا أى صعيدى يجد نفسه فى تلك المسلسلات التى تصورنا ذئابا ومعدومى التربية ولا يحترمون الأباء ...تجاهل كتاب الدراما مصائب الصعايدة مثل عبارة االسلام 98« ، راح ضحيتها أكثر من 1000 شخص من محافظتى قنا وسوهاج، ومتاعب الغلابة فى الخارج مع الكفيل وهناك مئات القصص المحزنة لم يجرؤ كاتب على الاقتراب منها !صعيد مسلسلات رمضان 2021 ليس صعيدنا، فنحن لسنا لصوصا ولا تجار آثار ولا قطاع طرق ولا عديمى التربية ولا متعصبين ولا عصبيين على الفاضى والمليان. ويمكن القول إنه بشكل عام وباستثناء عدد قليل من المسلسلات فلا يوجد عمل يرصد جهود الجيش الأبيض من الأطباء ولا معاناة المرضى، ولا تداعيات الوباء على التعليم وقضايا الطلبة ومعاناة أولياء أمورهم.

أما الإعلانات فقد كملت هذه الخطة حيث وجدنا مصر وفق حملات الترويج، مقسمة إلى قسمين، الأول يسكنه الفقراء حيث تدعوك الإعلانات إلى التبرع لشراء ما يلزمهم بدءا من شنطة رمضان وحتى بطاطين الشتاء مرورا بمصاريف التعليم وتوصيل المياه النقية، وانتهاء ببناء المستشفيات لعلاجهم، والثانى يسكنه الأغنياء فى الكامباوندات او المنتجعات السياحية، حيث تدعوك الإعلانات الى الهرب من الجزء الأول إلى العيش فى الثانى بشروط ميسرة وتقسيط مريح على 8 سنوات.وتنقلك مباشرة الى المدينة الفاضلة فى تلك الكومباوندات حيث حياة أخرى، يعيشها أناس فى قمة الأناقة يتمتعون بالصحة واللياقة البدنية ، وأطفال يلهون وسط الخضرة والزهور والبحيرات الصناعية، وجميلات ترقصن بمناسبة وبدون مناسبة!.

ما لم تقله الإعلانات أن التفكير فى هذه الحياة يحتاج منك ملايين الجنيهات بينما انت تضرب اخماسا فى اسداس لتوفير مئات معدودة مصاريف التعليم او البيت او العلاج. لا ننكر أهمية الترويج لدوران عجلة الإنتاج، لذا فمن المستحيل منع الإعلانات، ولكن لا يمكن أيضا قبول هذه الفوضى الإعلانية التى تخصم من رصيد المجتمع القيمى وتفتت تماسكه. إن الإلحاح المكثف على الاستهلاك والترويج المستمر له يخلق ثورة تطلعات ، تتبعها ثورة إحباط لدى غير القادرين وهم كثيرون. كثير من الدراسات حذرت مرارا من الآثار السلبية للإعلانات بخاصة على الأطفال، ولكن التطور النوعى فى محتوى هذه الإعلانات وبخاصة التليفزيونية زاد من خطورتها بعد ان استعانت بفنون الدراما فى تحقيق أهدافها، فلم تعد مجرد ترويج لمنتج من خلال إبراز ايجابياته ومميزاته، وإنما أصبحت اشبه بعمل فنى مركز يبث بجانب الترويج، رسائل أخرى خفية.

وصارت المضامين غير المباشرة التى تشى بها الإعلانات أخطر من رسائلها المباشرة!.


لمزيد من مقالات د. محمد يونس

رابط دائم: