رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر أم الدنيا (19)

وتدور الأرض وينقلب الكون ويعيش البشر ما بين فرح وشجون، هذا ملك، وهذا عبد، وهذا عاش يبحث من يكون؟ ويكتب التاريخ عن عروش سقطت وممالك ضاعت بخيانة وضعف. وكثيرون كانوا حالمين لأوطانهم، ولكن الأوطان لم تبن فقط بالحلم بل بإخلاص الجميع لأجل بلادهم.

وهكذا سقطت مملكة أخناتون فقد كان مجرد حالم بحلم لم يدركه الآخرين، أو تعارض مع مصلحة الوطن والآخرون، وقد صار أغلب من حوله أعداءه، فالأسرة صارت منقسمة بعد أن أجلس معه على العرش أخاه الأصغر سمنخ كا رع، وزوج ابنته الذى لم يكن على وفاق مع نفرتيتى زوجة أخناتون حتى إنها تركت القصر والبيت الكبير وذهبت إلى قصر أخر هى وتوت عنخ أتون. وبرغم من نصائح الكثيرين إلا إنه كان محاطا بجماعة منتفعين يستمع إليهم فقط؛ وقد عزلوه عن الحقيقة التى توهم إنه يعيش فيها. وبعد موته قالوا عنه الفرعون المارق أو المهرطق. فقد كانت أغلب فئات الشعب ضده بل وفى حالة غليان من تصرفاته، كهنة آمون الذين كانوا أصحاب نفوذ كبير وسط الشعب وقد أزاحهم من المشهد تماماً؛ وتحطيم صور ورموز الديانة المصرية القديمة أشعل الغضب الدينى فى صدور الشعب الذى اعتاد على تقديم القرابين والاحتفال بالأعياد الدينية المختلفة. فالشعب لم ينساق وراء تغير الهوية الدينية بسهولة. كما احتقره الشعب والجيش حين استهان بقوة مصر ومكانتها مما جعل خيتا ملك الحثيين يفرض نفوذه على الشام. وقد تعرض أخناتون لمحاولات اغتيال كثيرة ومات فى السنة الثامنة عشرة من حكمه عام 1335ق.م. وهناك من يؤكد أنه كان اغتيالا وليس موتا طبيعيا؛ ولكن لأن الكل كان يريد موته لم يهتم أحد بأنه كان اغتيالا أم موتا طبيعيا. ووصل العرش إلى أخيه سمنخ كا رع ومعنى اسمه قوية هى الروح من رع، الذى أعاد الاتصال بكهنة أمون وأعلن رجوع كل الرموز الدينية المتعددة التى كانت قبل أخناتون، وقد ساعده فى ذلك حور محب رئيس الجيوش والكاهن خبر-خبرو-رع-أى والذى صار ملكاً بعد توت عنخ أمون؛ وقد شارك حور محب فى كثير من المؤامرات على العرش. واستولى سمنخ كا رع على كل ذهب أخناتون وأزال اسم نفرتيتى من كل النقوش، ولم تعترف به نفرتيتى ملكاً. وانتقل سمنخ كا رع إلى طيبة وصارت مدينة أخناتون بتل العمارنة خرابة مهجورة. وتوفى بعد ثلاث سنين من الحكم فى ظروف غامضة وهو فى عمر الخامسة والعشرين حسب وصف مومياواته.

ولم يهتم أحد بموته نتيجة قوة التحالف الذى كان بين نفرتيتى وحور محب والكاهن أى ومعها توت عنخ أتون الذى غير اسمه بعد موت أبيه إلى توت عنخ أمون الذى صار ملكاً على مصر وهو فى سن الحادية عشرة. وقد حرموا الملك سمنخ كا رع من إقامة شعائر جنائزية تليق بملك وحرموه من الأثاث الجنائزي. ثم اختفت نفرتيتى من المشهد تماماً حتى إنه إلى الآن لم يوجد ما يؤكد وجود موميائها أو مكان دفنها أو حتى تاريخ وفاتها. وهذا لأنه كان عصراً مضطرباً بالمؤامرات والصراعات فقد كان الملك الصغير توت عنخ أمون تحت وصاية اثنين متصارعين على النفوذ رئيس الجيوش حور محب والكاهن أي. فالأول كانت لديه مهمة شاقة أتمها بنجاح جعله يطمع فى العرش؛ وهذه المهمة هى الانتصار على خيتا ملك الأناضول واستقرار حدود البلاد، وقد انتصر بالفعل على خيتا حتى طلب السلام معه. وأخمد ثورة الفلسطينيين وليبيا والنوبة، وقد ترك لنا أخبار انتصاراته على جدران مقبرته فى سقارة.

أما الثانى وهو الكاهن والوزير خبر-خبرو-رع-أى الذى قاد ثورة ضد فترة حكم أخناتون، وأعاد ترميم معابد أمون ومحا آثار أخناتون من كل الأماكن. وكتب توت عنخ أمون فى لوحة تذكارية بالكرنك: أعاد تنظيم هذه الأرض وعاداتها التى كانت فى زمن رع، وجدد قصور الآلهة، وأقام معابدهم وتماثيلهم من جديد.وقد سيطر الوزير أى على قرارات توت الداخلية؛ وسيطر حور محب على قرارات الجيش. ولكن لم يستمر توت على العرش أكثر من ثمانى سنوات ومات دون العشرين. وقد تزوج من ابنة نفرتيتى أخته غير الشقيقة؛ وحملت، ولكن مات الجنين ليحرم هو من وريث للعرش. وقد مات أيضاً بصورة غامضة ووجدت كسور فى موميائه حتى ظن أغلب المؤرخين أنها نتيجة اغتيال، ولكن بعد فحص المومياء المكتشفة بأدوات حديثة عام 2005 وجدوا أنه قد مات نتيجة تسمم فى الدم بعد حادث كسر فى عظام الفخذ مع إصابته بالملاريا وأمراض أخرى وراثية ناتجة عن خلل جينى متوارث. وقد اشتهر هذا الفرعون الصغير بإنجازاته ولكن لاكتشاف مقبرته كاملة عام 1922 على يد عالم المصريات الإنجليزى الشهير هوارد كارتر. وقد أحدث هذا الاكتشاف ضجة فى العالم كله إلى الآن. ولكن أحداثا غريبة حدثت بعد هذا نشرت فكرة لعنة الفراعنة، بعد وفاة اللورد كارنافون الذى مول بعثة الآثار، وبعده مباشرة وفاة هوارد كارتر المكتشف لها بعد ستة أشهر فقط من لدغة بعوض أثناء وجوده على نهر النيل. وكان الروائى مارى كوريلى قد حذره من عواقب فتح قبر مختوم برسالة نشرها فى صحيفة التايمز. والغريب أن ينتحر عالم آثار أخر كان مساعداً لهوارد كارتر اسمه هيو إيفلين وايت وهو عالم قبطيات أيضاً فقد شنق نفسه عام 1924م وكتب قبل انتحاره: لقد استسلمت إلى لعنة تجبرنى على الاختفاء. وتوفى بعده أرون أمبر عالم المصريات عام 1926م فى حريق بمنزله وكان يكتب عن هذا الاكتشاف، وانتشرت فى كل صحف العالم أخبار لعنة الفراعنة. وإن كانت هذه الأحداث لها ما يبررها غير اللعنة إلا إن شموخ وعظمة وأسرار أجدادنا كانوا السر وراء اقتناع العالم بأنها لعنة الفراعنة، لتظل مصر فى كل حال هى أم الدنيا.


لمزيد من مقالات القمص. أنجيلوس جرجس

رابط دائم: