رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإستراتيجية البوتينية إلى أين؟

خصصت أسبوعية الإيكونوميست، فى عددها الصادر فى 24 ابريل الماضى،ملفا بعنوان: خطوة بوتين التالية...فلقد لاحظ المراقبون أن الأسابيع الأولى من العام الجديد 2021 قد شهدت تعبئة للجيش الروسى بلغت 100ألف جندى على الحدود الروسية الأوكرانية، كذلك شهدت تحركا لأسطولها الضخم فى البحر الأسود...وقد أثار هذا التحرك الأوروبيين والتحالف الأطلسى وجيران روسياالأوراسيين...إضافة ــ بطبيعة الحال ــ إلى أوكرانيا...

فأوكرانيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتى التى لم تزل روسيا تعتبرها امتدادا لها وفق الاستراتيجية البوتينية التى سعت بالرغم من تفكك الاتحاد السوفيتى أن تؤسس لإمبراطورية روسية جديدة تقوم على أساس قومي. لذا سعت فى السنوات الأخيرة على ان تقطع أوصال أوكرانيا جزئيا ــ بحسب تعبير الإيكونوميست ــ بانتزاع القرم منها، ودعم القوى الانفصالية التابعة للمشروع الروسي...وكان السؤال الذى شغل جيران روسيا والتحالف الأطلسى الذى يعيد تجديد قواه: هل التصعيد الروسى حيال أوكرانيا سوف تلحق به خطوات أخرى خطرة؟ أم سيعود عن هذه الخطوة نهائيا أم تكتيكيا؟

ينبه المتابعون إلى أنه من الضرورى النظر إلى التصعيد البوتينى فى إطار الإستراتيجية الروسية ــ البوتينية ــ ككل. وهى الاستراتيجية التى تعتقد ــ من ضمن ما تعتقد ــ أن زوال الاتحاد السوفيتى يعتبر: أعظم كارثة جيوــ سياسية فى القرن العشرين...ولا مناص من تجديد دور روسيا من أجل: اللعب فى ساحة الكبار.

فى هذا الإطار، تتبلور الرؤية البوتينية للعالم والتى ترى أن النظام العالمى لا يمكن أن يدار من خلال قوة عظمى وحيدة لأن ذلك سيؤدى إلى أضرار ضخمة. ومن ثم فإن قطع الطريق على استمرارية النظام الأحادى القطب تكون بالدفع إلى التحول إلى نظام دولى متعدد الأقطاب أو اللاعبين. وحتى تستطيع روسيا أن تكون أحد هؤلاء اللاعبين الكبار المؤثرين والفاعلين فعليها تأمين ما يلي: أولا: الحفاظ على السلامة الإقليمية لروسيا. ثانيا: ممارسة الهيمنة الروسية على البلدان المجاورة وتحديدا غالبية الجمهوريات السوفيتية القديمة ما عدا دول البلطيق. ثالثا: التعاون الفاعل فى المجالين السياسى والاقتصادى العالمى باعتبارها شريكا مساويا للقوى العظمى الأخري. رابعا: تعظيم النفوذ الروسى فى مجال الطاقة عالميا والتحكم فى الممرات والمناطق الحيوية اللازمة لتحقيق هذا النفوذ. خامسا: الانخراط فى تشكيل تحالفات قارية متعددة تكون قادرة على التنافس مع الكيانات الغربية مثل الاتحاد الأوروبى ومنظمة حلف شمال الأطلسى (الناتو). سادسا: مد النفوذ الروسى إلى مناطق حيوية قارية جديدة.

وتاريخيا كانت هناك دول أوروبية كبيرة قابلة للمشروع البوتينى أملا فى تحقيق تعاون بينها وبين روسيا إلا أن بعض النجاحات الروسية المُنفردة فى بعض المناطق الحيوية، على حدودها (أوكرانيا وجورجيا) أو فى بعض الأماكن البعيدة عنها(سوريا)، قد خُيل لها ـــبحسب أحد الإستراتيجيين ــ أنها قادرة على ان تُملى القواعد الجديدة للعب على السياسة الدولية.ولكن على العكس تماما فإن الإفراط فى استخدام القوة أو تزايد لجوء موسكو إلى أدوات القوة الصلبة ــ بحسب أحدهم ــ يصعب من القبول بالسلوك الروسى الذى سيخلق وضعية مهددة ليس للنظام العالمى فقط بل لروسيا بوتين نفسه خاصة مع تعثرها الاقتصادى نظرا لارتباك سوق الطاقة وبندولية أسعاره (يمثل تصدير النفط والغاز 25% من صادراتها)، وسوء المناخ التجارى، وانتكاسها الديمقراطى وتنامى الاحتجاجات المجتمعية خاصة فى أوساط الشباب، وتعرضها لعقوبات متنوعة لأسباب مختلفة، وتراجع مشروع التحالف الأوراسى، وانكماش الاقتصاد الروسي. والأهم وكما تبين فى تقرير صادر عن مؤسسة راند الأمريكية البحثية الشهيرة عام 2017؛ هو اعتماد روسيا على استراتيجيات قصيرة المدى تجاه ملفات وبؤر ساخنة قد تحقق منها مكاسب سريعة إلا أنها لا تترجم إلى نفوذ حقيقى بما يتوافق مع الاستراتيجية البوتينية الساعية لتعظيم النفوذ الروسى المستدام.

ومن محصلة ما سبق يرى المراقبون أنه يمكن ردع الاستراتيجية البوتينية بدرجة أو أخري. ما يعنى إمكانية تقليل الحصار: المائى والأرضى، التى أطلقتها روسيا حول أوكرانيا. كذلك إضعاف الخيار الروسى الساعى للتمدد دون مراعاة باقى اللاعبين الكبار: شركاء النظام الدولي. خاصة أن روسيا تؤكد التعددية القطبية. ومن ثم لا يستقيم تأكيد هذه التعددية وممارسة سلوكا يناقضها...وفى نفس الوقت، لا يمكن الجمع ــ بحسب أحد الاستراتيجيين ــ بين «العودة إلى تحالف طبيعى مع أوروبا، ومراودة تكوين كتلة معادية للغرب مع الصين، وأفق التموضع كناطق رمزى باسم كتلة من الدول الناشئة»...

الخلاصة، سواء كانت الخطوة الروسية/البوتينية التالية تنزع نحو التصعيد أو لا. فإن هناك توافقا عالميا على ضرورة مواجهة الإستراتيجية البوتينية المنفردة دون عزلها. وفى هذا السياق، انطلق نقاش واسع ــ خاصة بعد مؤتمر ميونيخ للأمن الذى عقد فى فبراير الماضى وأشرنا إلى قراره، فى مقال لنا فى 20 مارس الماضى، لتجديد التحالف العابر للأطلسى أو ما أطلقنا عليه الأطلسية المتجددة خاصة فى مواجهة روسيا والصين ــ حيث تعددت الإصدارات الأكاديمية والبحثية واللقاءات حول كيفية ابتكار صيغة للتعامل مع الاستراتيجية الروسية/البوتينية تحول دون اتخاذ خطوات تصعيدية عدوانية ومستفزة وفى نفس الوقت لا تستبعد روسيا/بوتين من المنظومة الجديدة. أى ابتكارصيغة تتعاطى مع التباينات وتخلق أطرا تعاونية بين اللاعبين الكبار فى مجالات مثل: الحد من انتشار السلاح النووى، وأزمة المناخ والاحتباس الحرارى، والانكماش الاقتصادى العالمى، ومواجهة الجائحة الفيروسية وتداعياتها، ومواجهة الإرهاب والحيلولة دون حصول الإرهابيين على أسلحة الدمار الشامل.. إلخ، وفى المقابل يحتاج ما سبق لاستجابة روسية تطور من إستراتيجيتها الخارجية لتكون أقل استفزازا وتحسن من أحوالها الداخلية.


لمزيد من مقالات سمير مرقص

رابط دائم: