رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

انكشافات ما يجرى فى القدس وغزة

تزهو إسرائيل الموصوفة (والموصومة) قانونياً بوصف سلطة احتلال بموجب عشرات القرارات الدولية بأنها دولة ديمقراطية، وهي الدعاية التي تخدع بها الغرب وتستميل عواطفه. لكن تنسى إسرائيل أنه لا ديمقراطية بدون دولة مواطنة، ولا توجد دولة مواطنة بغير منظومة حمائية للعدالة، ولا تستقيم منظومة للعدالة في دولة تتأسس على نظام تشريعي وقضائي للفصل العنصري بعد أن سبق اصطناعها بقرار أممي عام 1947 قنّن أكبر عملية اغتصاب أرض شعب في التاريخ الحديث. حتى لحظة كتابة هذه السطور بلغ عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة 67 شهيداً من بينهم 17 طفلاً. لكن من الصعب فصل الحرب على غزة الدائرة حالياً عن أحداث القدس وحي الشيخ جراح السابقة عليها.

دعونا نرى بهدوء ووضوح ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين. في القدس كان المصلون الفلسطينيون يذهبون للصلاة في المسجد الأقصى بأعداد كبيرة تتناسب مع شهر رمضان. يستفزهم ويتنمر بهم كالعادة المستوطنون الإسرائيليون. يحاول المتطرفون اليهود دخول المسجد الأقصى ويسعون لإقامة احتفالية كبيرة بمناسبة ما يسمونه يوم توحيد القدس فتزداد أعداد الفلسطينيين المرابطين في القدس والقادمين من أماكن أخرى في مواجهة تحرش المتطرفين اليهود المحميين بجنود الاحتلال فزاد التوتر وبات المشهد كعود ثقاب ينتظر لحظة الاشتعال. في التوقيت نفسه كان حي الشيخ جراح الذي تسكنه عائلات فلسطينية منذ زمن بعيد يشهد محاولات من جانب بعض المتطرفين اليهود لطرد العائلات الفلسطينية من بيوتها.

كان الهدف الحقيقي والبعيد لما يحدث في هذا الحي هو طرد الفلسطينيين وإزالة بيوتهم القديمة لكي يُعاد بناء الحي من جديد ووصله بباقي المناطق اليهودية. أما الخطاب الإسرائيلي الظاهر فكان ادعاء بأن هناك نزاعاً على ملكية بعض العقارات في حي الشيخ جراح لصالح عائلات يهودية ولم يكن ذلك صحيحاً باعتراف يوسي ميكلبيرج الباحث في معهد شاتام هاوس للدراسات لأن هذه العائلات ليست هي التي كانت تقطن بعض بيوت الشيخ جراح قبل 1948 ولا هي حتى وارثة لها. تجلّى الدليل على ذلك موثّقاً حين صوّرت الكاميراً رجلاً إسرائيلياً بدينا يقف في حديقة بيت فلسطيني بينما تقول له صاحبة البيت الفلسطينية يا يعقوب أنت تعرف أن هذا ليس بيتك وأنك تسرق بيتي فيرد عليها يعقوب الإسرائيلي قائلاً: لكن إذا لم أسرقه أنا سيسرقه غيري! وبدت هذه العبارة الفاضحة الموثّقة وكأنها تلخص مسيرة دولة الاحتلال والفصل العنصري.

أحد الانكشافات الصارخة لما يحدث في حي الشيخ جراح يتعلق بمنظومة العدالة الإسرائيلية التي لم تتردد في سجن الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف بتهمة التحرش الجنسي ورئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت بتهمة الرشوة وعرقلة سير العدالة، وها هي تسعى لمحاكمة بنيامين نيتانياهو بتهمة الفساد، هذه المنظومة هي نفسها التي تضفي حمايتها على محاولات الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين، فقد أصدرت المحكمة المركزية في مارس الماضي قراراً بطرد عائلات فلسطينية من البيوت التي تقطنها في حي الشيخ جراح مستندة إلى قانون إسرائيلي صادر عام 1950 يُسمى بقانون حارس الأملاك الغائبة، وكان من المقرر أن تعقد المحكمة العليا في 10 مايو الحالي جلسة استماع بشأن الطعن الذي قدمته العائلات الفلسطينية المهددة بالطرد، لكن تقرّر فجأة إرجاء الجلسة لتنعقد لاحقاً خلال ثلاثين يوماً. فهل كانت المحكمة العليا الإسرائيلية بصدد تأييد قرار الطرد فتم إرجاء الجلسة تفادياً لانفجار الوضع أم أن التأجيل جاء بسبب تحذيرات دول غربية عديدة ومؤسسات دولية حقوقية اعتبرت أن القرار المحتمل بطرد الفلسطينيين يمثل جريمة تهجير قسري، وهي بالمناسبة جريمة مشمولة باختصاص المحكمة الجنائية الدولية؟ لا أحد يعرف بيقين لكن المؤكد أن منظومة العدالة الإسرائيلية باتت تحوطها الشكوك.

من هذه الشكوك ما يلاحق قانون القومية الإسرائيلي الصادر عام 2018 وهو قانون أساس يعرّف إسرائيل بأنها الوطن القومي للشعب اليهودي وينص على أن حق تقرير المصير هو حقٌ خاص بالشعب اليهودي وأن القدس مدينة كاملة وموحّدة عاصمة لإسرائيل، ويعتبر العبرية اللغة الأساسية للدولة بعد أن كانت العربية لعقود طويلة لغة رسمية ثانية إلى جانب العبرية. هكذا تبدو منظومة العدالة الإسرائيلية وكل الممارسات اليومية بحق الفلسطينيين وهي تكرّس إسرائيل بوصفها دولة الفصل العنصري الوحيدة في العالم بعد اندثار نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا عام 1990.

لكن الصف الفلسطيني نفسه لم يخل من انكشاف داخلي، مؤلم وعصي على الفهم يتلخص في الصراع المكتوم تارةً والمعلن تارةً أخرى بين حركة حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله. كان المتوقع إجراء انتخابات فلسطينية جديدة في 22 مايو الحالي وذلك بعد مضي 15 سنة على آخر انتخابات، وكانت نسبة التسجيل لهذه الانتخابات مذهلة إذ بلغت أكثر من 93% ممن لهم حق الاقتراع، وكان يُفترض أن تشمل القدس. لكن تم تأجيل هذا الاستحقاق الانتخابي فجأة بحجة الرفض الإسرائيلي إجراء انتخابات في القدس. هذا الانكشاف الفلسطيني الداخلي ليس جديداً للأسف، فقد سبقه تاريخ من التشرذم بين الجماعات والفصائل الفلسطينية، وهو تشرذم شاذ في تاريخ حركات التحرر الوطني في العالم، على الأقل بهذا الشكل الذي عرفه الرفاق في فلسطين والذي بلغ حد الاقتتال الداخلي بينما إسرائيل تستمتع وتتنفس الصعداء. وحينما تصاعد البطش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة بالعدوان على غزة اصدر السيد محمود عباس قراره الوطني بإلغاء احتفالات عيد الفطر وتنكيس العلم الفلسطيني!

جاءت حرب غزة في نسختها الحالية لتزيد المشهد الفلسطيني مأساوية. والحقيقة أن الباعث على هذه الحرب يختلف تماماً من الطرف الفلسطيني إلى الطرف الإسرائيلي. فلسطينياً أقدمت حركات المقاومة في غزة على إطلاق عدة صواريخ رمزية وتحذيرية في البداية كرد فعل على البطش الإسرائيلي في القدس ومحاولات طرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح. وهو باعث لا يمكن لضمير منصف حر إلا أن يتفهمه خصوصاً أن الصواريخ الأولى التي أطلقتها المقاومة من غزة لم تقتل أحداً أو تُحدث أضراراً تُذكر. أما إسرائيلياً فكان الباعث على الحرب مخزياً وفاجراً لأنه في جوهره محاولة من نيتانياهو للهروب من أزمته السياسية الداخلية والهروب بالتالي من احتمالات محاكمته وسجنه عن جرائم الفساد المتهم بها. فالأرجح أن نيتانياهو سيأخذ طريقه إلى المحاكمة صباح اليوم التالي لفقدان حصانته الوظيفية.

في النهاية تبدو المفارقة في المقارنة بين بعض المواقف العربية العصيّة على المنطق والفهم وبين مواقف دولية أخرى للخماسية الأوروبية، والأمم المتحدة، والمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، وأعضاء في الكونجرس الأمريكي نفسه، ومؤسسات حقوقية دولية كبرى، وكلها بدت متقدمة بكثير على هذه المواقف العربية. تلك هي المفارقة التي كانت وستظل الأكثر غرابة وعبثية في دنيا العرب.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: