رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اللعبة المزدوجة

مازالت الأنظار متجهة إلى مفاوضات فيينا بين مجموعة (5+1) وإيران, وهى الدول الموقعة على الاتفاق النووى 2015 بهدف إحيائه لكن بشروط جديدة, صحيح أن المحادثات بين الوفدين الرئيسيين الأمريكى والإيرانى, لا تزال غير مباشرة وتتم عبر وساطة الدول الأربع الأخرى (أى فرنسا والصين وروسيا دائمة العضوية فى مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا) إلا أن ذلك لا يقلل من أهميتها, كونها تمثل إحدى النقلات النوعية فى تاريخ العلاقات شديدة التعقيد بين الطرفين, والتى تأرجحت على مدى زمنى طويل ما بين المواجهة ومحاولات الاحتواء, وما نشهده الآن هو فصل جديد من هذا التاريخ, لا يمكن التكهن بدقة بنتائجه النهائية.

معروف أن تلك المحادثات تجرى فى أجواء مغلقة وما يُعلن عنه لا يُعطى مؤشرا واضحا على مدى التقدم أو التعثر فيها, فتصريحات الجانبين تبدو فى كثير من الأحيان متناقضة.

والتناقض هنا لا يسرى فقط على التصريحات المتعلقة بسير التفاوض, وإنما يمتد إلى الجبهة الداخلية لكل منهما, فمن ناحية تعج الساحة الإيرانية بالخلافات والصراعات داخل أروقة النظام, وهو ما ظهر جليا فى تباين المواقف بين الأجهزة الأمنية ووزارة الخارجية المدعومة من الرئاسة والإعلام الرسمى, وبدأت الأزمة حين كشفت قناة «برس» الحكومية عن قبول طهران لصفقة مع واشنطن تقضى بتبادل السجناء والافراج عن جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة فى البنوك الأمريكية بقيمة 7 مليارات دولار, مقابل الامتثال الكامل من جانبها لبنود الاتفاق القديم والاستعداد للحوار حول الشروط المستجدة, وهو ما سارع المتحدث باسم الخارجية سعيد خطيب زادة إلى نفيه, مؤكدا «إنها مزاعم إعلامية خاطئة», ويرجع السبب إلى حرص المفاوض الإيرانى على إظهار نوع من التشدد واصراره على الادعاء بعدم قبوله للحلول الجزئية, ومطالبته بالرفع غير المشروط للعقوبات كافة, ولم تكن تلك الواقعة هى مظهر الأزمة الوحيد, ولكن نفس وسائل الإعلام سربت مؤخرا تسجيلا صوتيا لوزير الخارجية جواد ظريف ينتقد فيه ممارسات قاسم سليمانى الذى كان قائدا لفيلق القدس، ومن أهم مهندسى السياسة الإيرانية فى المنطقة, وتم اغتياله أوائل 2020, مدللا بذلك على الدور الطاغى للحرس الثورى وهيمنته على مراكز صناعة القرار وافتئاته على صلاحيات الرئاسة والحكومة.

وكل ذلك يعنى أن الصراع بين ما يسمى بمعسكرى الاعتدال والتشدد عاد بقوة ليخرج إلى العلن, وأن الفريق المفاوض فى العاصمة النمساوية له أكثر من مرجعية, مما يربك ولا شك سير عملية التفاوض واتخاذ القرارات ويؤثر سلبا عليها.

ومن ناحية أخرى, أبدى كثير من نواب الكونجرس من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء, معارضتهم لمفاوضات فيينا أو بعبارة أدق لنهج إدارة بايدن المهادن فى تعاملها مع الجمهورية الإسلامية, وذلك على اثر ترويج الحرس الإيرانى لفيديو دعائى يصور تفجيرا وهميا لمبنى الكابيتول فى إشارة تحذيرية إلى ما يمكن أن يقوم به فى لحظة ما داخل الولايات المتحدة ذاتها, ومن هنا اعترض المشرعون الأمريكيون على مبدأ رفع العقوبات واعتبروا أن الأولوية على العكس كان يجب أن تتجه نحو مزيد من الردع ,تحسبا لتنفيذ هجمات من هذا النوع مستقبلا, بل وأكد السيناتور الجمهورى «بات تومى» فى هذا السياق, أن الحرس الثورى مازال هو المتحكم الفعلى فى أى قرار, مشككا فى جدوى سياسة الاحتواء والحوار أو الرهان على تغيير سلوك النظام الإيرانى, مثلما لم يخف نظيره الديمقراطى «بوب مينديز» اعتراضه على عودة الإدارة الحالية للاتفاق النووى وخشيته من عدم تمكنها إجراء تعديلات جوهرية عليه, ولم تقف الأمور عند هذا الحد, إذ عبرت المؤسسة العسكرية أيضا عن تحفظاتها تجاه أنشطة طهران العدوانية وتهديدها لأمن واستقرار الخليج, وهجوم حرسها الثورى الذى يتبع المرشد الأعلى مباشرة "على خامنئى" والميليشيات التابعة لها على القواعد الأمريكية فى الشرق الأوسط, وربما هذا ما دعا وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن للتصريح بأن بلاده ليست فى عجلة من أمرها, وأن الطريق مازال طويلا لحين عودتها إلى الالتزام التام بالاتفاق القديم الذى خالفته بعد انسحاب ترامب منه من جانب واحد فى 2018.

وليست هذه هى الصعوبات الوحيدة التى تواجهها مباحثات فيينا, فمنذ عقود كانت المواجهات بين أمريكا ومعها إسرائيل وإيران تدور بصورة غير مباشرة عبر الوكلاء المحليين فى عدة دول من تلك التى تشهد نفوذا إيرانيا متصاعدا كالعراق وسوريا ولبنان واليمن, ولكنها فى الآونة الأخيرة باتت تأخذ شكلا مباشرا وكان آخرها الهجوم الإسرائيلى, أثناء تلك المحادثات, على مفاعل «نطنز» الذى كانت تعتبره الدولة الإيرانية ورقة رابحة تساوم بها فى المفاوضات الجارية للحصول على تنازلات من الطرف الآخر, واللافت للنظر أن هذا الهجوم جاء بعد يوم واحد من زيارة وزير الدفاع الأمريكى «لويد أوستن» لتل أبيب بهدف تهدئة غضبها من مبدأ حوار واشنطن مع طهران, فهل كانت مجرد مصادفة أم كان هناك تنسيق مسبق بينهما وتوزيع للأدوار؟ وهو سؤال منطقى وإن ظل دون إجابة حاسمة, وقد ردت إيران بإطلاق صاروخ فى اتجاه مفاعل «ديمونة» الإسرائيلى, بالإضافة إلى قصف إسرائيل المتكرر للميليشيات التابعة لها فى سوريا, والشىء نفسه قد ينطبق على الولايات المتحدة وبالأخص فى المياه الخليجية التى تستدعى دوما تحريك قواتها وزيادة عددها ردا على الهجمات الإيرانية على مصالحها ومصالح السعودية البترولية, وكذلك لا يمكن استثناء سياسة الاغتيالات من هذه المواجهة المباشرة, فبعد مقتل سليمانى أحد أبرز قيادات الحرس الثورى على يد القوات الأمريكية, أغتيل محسن فخرى زادة المسئول الأول عن برنامج التسلح النووى من قبل إسرائيل.

وأخيرا منذ أيام قليلة, أعلنت البحرية الأمريكية ممثلة بأسطولها الخامس المرابط فى الخليج مصادرتها لشحنة أسلحة يتم نقلها بصورة غير قانونية كانت متجهة إلى شمال بحر العرب, وحسبما أشارت بعض المصادر فى البنتاجون, فقد تم ضبطها فى المياه الدولية ما بين باكستان وعُمان, وأن مصدرها هى إيران لأنه سبق مصادرة شحنات مماثلة لها كانت فى طريقها لجماعة الحوثى فى اليمن.

لا جدال فى أن المناخ الذى تدور فيه المفاوضات لا ينبئ عن نهاية الصراع, فإيران لن تغير سلوكها بسهولة ولن تسقط مشروعها الاقليمى التوسعى من حساباتها, وبالمثل لا تُعد سياسة الاحتواء الأمريكية خالصة تماما لصاح المهادنة, فأشياء كثيرة تجرى تحت السطح, ومن ثم تبدو كل الخيارات مفتوحة وكأنها «لعبة مزدوجة» بين الحرب والسلام.


لمزيد من مقالات د. هالة مصطفى

رابط دائم: