رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عبد العزيز فهمى صاحب القمم المتعددة (5)

إمامة المرحوم عبد العزيز باشا فهمى فى المحاماة، وفى القضاء، وفى اللغة والأدب والشعر، وفى الوطنية، وفى السلوك الرفيع لم تنبت فى هذا الهرم الشامخ من فراغ. هذا التمكن الموسوعى صادف ولا شك استعدادًا شخصيًا من حباية الخالق عز وجل، أحسن المحيطون بالفتى منذ نشأته فى رعايته ومواكبته بما يستحقه، مثلما أحسن هو شخصيًا فى رعايته بتعامله الجاد مع الحياة، تقديرًا لكونها نعمة ربانية، وإدراكًا لكونها رسالة يجب التماس الأسباب التى تهيئ للنهوض بأعبائها. وظنى أن قيمه الرفيعة المغروسة فى شخصيته؛ كانت الحارس الذى كفل نجاح صاحبها فى كل ما طرقه، وفَصَّلَ منه زعيمًا وطنيًا فذًا .. صادقًا ومخلصًا ورفيعًا، استحق ما تبوأه من قمم متعددة.

إتقانه اللغة ثمرة حُبﱟ يبلغ العشق، فكان القاضى الأديب، والمحامى الأديب، والسياسى الأديب، والشاعر الأديب الحكيم ... قليلون هم من يعرفون أن عبد العزيز باشا فهمى شاعر موهوب؛ من أشهر ما نظمه المعلقة الدالية، بلغت ثلاثمائة وأربعين بيتًا، فى الأخلاق والاجتماع، نظمها عام 1949 قبل رحيله عن الدنيا بعامين، وصف فيها شيخوخته ومرضه، وأبان عن تجاربه الطويلة فى الحياة ومع الناس، وعنايته بالعلم والتعليم الذى كان ملهمًا للمنوفية التى بث فيها روحًا وكافح لنشر التعليم فى ربوعها بين أبنائها، حتى إن الأمية لتكاد تتوارى فرارًا أمام تلك المعاهد التى نفخ فيها الرجل من روحه، فانبرت ترسل النور.

فى مطلع قصيدته الدالية، أو المعلقة الثامنة كما أطلق عليها العارفون، يقول أديبنا الحكيم الشاعر:

يا حادى العمر أبعدتَ المدى فمتى

تُلقى عصاك وتُعفى من الكبد

تسع وسبعون ميلادية غَبَرتْ

قضيتها بشقاء الروح والجسد

إنْ سامنى الطبعُ إخلادًا إلى دعةٍ

صالت علىّ الأمانى صولة الأسد

لغته الرفيعة تجلت فى بلاغة وجزالة أشعاره، مثلما تجلت فى مرافعاته بالمحاماة، وأحكامه القضائية إبان رئاسته لمحكمة النقض، التى جمعت بين متانة الفقه وقوة الحجة والمنطق، وأدب الصياغة، وعمق الفكر .. ونستطيع أن نعزوها فى كلمات إلى موهبته الفطرية، وإلى حفظه القرآن الكريم فى صباه، وإلى دراسته الأزهرية فى مطلع حياته، بالمسجد الأحمدى بطنطا، ثم بالجامع الأزهر بالقاهرة، وما فتئ طوال حياته ينميها ويصقلها، حتى صار علمًا من أعلامها.

شهد له الأديب الكبير محمود تيمور، وعميد الأدب العربى طه حسين. تحدث عنه الأستاذ محمود تيمور، وعن انبهاره به وسعيه للتعرف إليه حتى نال بغيته، فيروى لنا أنه مع علمه بأنه أحد ثلاثة كانوا فى طليعة الوثبة الوطنية للمطالبة بحق الأمة المغتصب؛ فإنه وقد تناهى إليه أحاديث نادرة تصف مواقفه الرائعة الجبارة .. فى السياسة والتشريع والقضاء والمحاماة. أول مرة اجتليت فيها صورة الرجل عن كثب، كانت بدار المجمع اللغوى ـ لمحته على أريكة يجلس جلسة تتوضح فيها الوداعة البالغة، متراخى الأوصال، قليلاً على الأريكة شخصه الضئيل، فاسترعى انتباهى منه طول إطراقه، وقد أزاح طربوشه إلى الوراء، كأنما يفسح لأفكاره مجال الانطلاق! أهذا صاحب مشروع الحروف اللاتينية لكتابة العربية، ذلك المشروع الذى انبعث من المجمع قذيفة اهتاج لها رجال الفكر فى أرجاء الأمة العربية، فكانت منار يقظة ونشطة وانبعاث؟

امتلاكه نواصى اللغة العربية تلاقى مع إتقانه اللغات الأجنبية، وتحت يدى طبعة قشيبة أنيقة طبعتها مطبعة جامعة فؤاد الأول آنذاك عام 1951، لمدونة جستينيان، ترجمها عن الفرنسية، وهذا عمل عظيم ورائع، وبالغ الصعوبة لا يتصدى له إلاَّ ذوو العزم من العلماء الأدباء .. دعونا نقرأ ماذا كتب محمود تيمور :

وقعت فى يدى نسخة من ذلك الكتاب الذى ترجمه عبد العزيز منذ عهد قليل، ذلك هو مدونة جستينيان في الفقه الرومانى.. مجلد ضخم بخلاصة التشريع في ذلك الزمن البعيد، هو آية إعجاز فى دقة التعبير، وإحكام الأداء، تتجلى فى ديباجة عربية بليغة .. عليها رونق ورواء. تناهى إلىّ أنه احتبس فى داره ثلاثة أشهر، يزاحم ليله بنهاره في الترجمة والمراجعة والتنقيح، حتى فرغ مما أراد فى الشهر الذى أكمل به عامه الخامس والسبعين، فكأنه يتوج تلك السن المباركة بذلك الجهد العلمى الرفيع! كنت أقلب فى صفحات هذا الكتاب، فترف حولى صورة ذلك الرجل الذى لمحته منكمشًا على الأريكة فى دار المجمع، غارقًا فى تأملاته. أشبه ما يكون بفيلسوف هندى من أولئك الذين أخذوا أنفسهم برياضيات صوفية لا يطيقها إلاَّ الأقلون الأندرون؛ فتذكرت بيت الشعر القائل:

وما المرء إلاَّ الأصغران لسانُهُ

ومعقولُهُ والجسم وهم مصوّر

لقيه محمود تيمور، فسمع منه، ليروى أن حديثه صورة واضحة من شخصيته: خلابة فى المنطق، وفصاحة فى العرض، وصدق فى اللهجة.

إن الكلمات لتندفع على شفتيه مشبوبة الحيوية تتوهج، وإنك إذ تستمع إليه لتستشعر خفوق قلبه وفورة دمه. فيتجلى لك مظهرٌ رائع من حرارة الإيمان، ونقاء الطوية وصراحة الرأى . حسبك أن تجلس إلى الرجل جلسةً واحدة تسمع ما يفيض فيه من الحديث، لكى يستبين لك جُماع الخصائص النادرة التى عُرف بها فى حياته العامرة. للرجل افتنان فى الحديث يتيح له أن يجوز بك آفاقًا رحابًا فى عالم الفكر، وله عونٌ أى عون من ذاكرة أمينة بالغة الأمانة، وذكاءٌ عبقرى لا ترده حدود، ونزعةٌ إلى الاطلاع تعُبّ ولا تُروى!.

أما عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، فدعنا ننتظر في المقال المقبل حتى نرى تأبينه ـ بالمجمع اللغوى ـ للراحل العظيم عبد العزيز باشا فهمى، وماذا قال فيه!


لمزيد من مقالات رجائى عطية

رابط دائم: