رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخطر الوجودى الأعظم

تمر مصر فى هذه اللحظة التاريخية بنوع جديد وغير مسبوق من التحديات، ليست من ذلك المستوى الاستراتيجى الذى يهدد المصالح العليا، أو يهدد الأمن القومى فى أعمق معانيه، بل هى تحديات أكثر خطورة، وأعمق تأثيراً، لأنها تحديات تهدد الوجود ذاته، تهدد وجود الأرض والإنسان والمجتمع والدولة والكيان.

فإذا كان المؤرخ الإغريقى الشهير هيرودوت وصف مصر بأنها هبة النيل، فإن واهبها الوجود, على حد تعبير هيرودوت, يوشك أن يغادرها ويتخلى عنها، لأن مجموعة من الحالمين ببناء إمبراطورية عظمى فى إفريقيا لم يكن لها وجود تاريخى إلا فى أساطير وخرافات تغذت عليها شعوب غارقة فى غياهب الماضى البعيد، هؤلاء استطاعوا فى غفلة من الزمن العربى الضائع بعد اندلاع ثورات الخريف العربى المشؤوم أن يضعوا أيديهم على مفاتيح النيل، وأن يحولوه الى ملكية خاصة، يستطيعون بها التحكم فى المنطقة برمتها، وتغيير معادلات القوة فيها، ورسم خرائطها المستقبلية، والهيمنة بصورة كاملة عليها.

التحدى الذى تواجهه مصر فى هذه اللحظة التاريخية يمكن توصيفه بأنه استراتيجية الوجود من خلال النفي، أى أن إثيوبيا التى تريد التحكم فى النيل وتحويله الى سلعة سياسية لفرض هيمنتها على الإقليم، أو تحويله الى سلعة اقتصادية, تبيعه لمصر بالقطرة أو باللتر فى سابقة هى الأولى فى التاريخ, تسعى لتحقيق وجودها من خلال نفى الوجود المصري، بصورة لا يمكن التعايش معها، ولا يمكن الوصول إلى حلول وسط معها، لأنها تضع الشعب المصرى أمام معادلة صفرية كاملة، إما أن تحقق إثيوبيا أهدافها ومشروعها الوطني، وإما أن تظل مصر وطنا صالحا للعيش فيه كما كان هبة للنيل.

يعود الفضل فى تقديم فكرة الوجود من خلال النفي, إلى أستاذتى ومعلمتي، ومن أدين لها بتشكيل طريقة تفكيرى الدكتورة منى أبو الفضل رحمها الله تعالي، قدمت هذا النموذج فى أوائل ثمانينيات القرن الماضى حين كانت تدرسنا النظم السياسية العربية فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وكانت رحمها الله تطبقه على النموذج الإسرائيلي، ولم يكن يخطر ببالى حينها أن إثيوبيا الجار التاريخى المسالم الذى نقتسم معه قطرة الماء ولقمة العيش تتحول إلى قوة تدمير لجيرانها، من أجل تحقيق مشروعات خيالية تعبر عن غرور وتضخم ذات، وعنصرية قومية مقيتة.

الوجود من خلال النفى هو التحدى الحقيقى لمصر … لن تستطيع مصر الاستمرار فى الوجود مع السياسة الإثيوبية الحالية…فعلينا أن نختار. إما أن نستمر فى الوجود دولة ومجتمعا…وإما أن نترك للنخبة المسيطرة على مقدرات الشعوب التى تعيش فى إطار الكيان الإثيوبى تحقق مشاريعها وتنفذ استراتيجياتها؟ حين نقدر على الإجابة نكون قد حققنا الأمن القومى المصري. الموقف الذى تمر به مصر اليوم مع التحديات التى تفرضها النخبة الحبشية الأمهرية المتعصبة لا يحتمل أى نوع من الحسابات الهادئة التى تراعى الأصدقاء الدوليين والرأى العام العالمى وغيره من الفواعل الدولية التى تظهر فقط لتمرير أجنداتها الخاصة. إنه موقف لا يوجد له فى التاريخ الا تعبير مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابى الجليل بلال الحبشى رضى الله عنه عندما رأى أمية بن خلف الذى كان يملكه حين كان عبدا قبل إسلامه، وعذبه عذابا شديدا ليجبره على ترك الإسلام. فقد وقع أمية بن خلف فى أسر عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه ومعه ابنه علي، وحاول ابن عوف حماية أمية بن خلف من بلال إلا أن بلالاً صرخ بأعلى صوته: لا نجوتُ إن نجا...لا نجوتُ إن نجا، وقتله رغم إن ابن عوف القى بجسده على أمية بن خلف كى لا يستطيع بلال أن يقتله، ولكنه طعنه بالسيف وهو تحته حتى جرح عبد الرحمن بن عوف. نحن مع سد النهضة فى موقف لا نجوتُ إن نجا، فوجود هذا السد بعد أن اتضحت نيات النخبة الحبشية المتطرفة خطر وجودى على مصر وشعبها، ولن يستطيع أحد أن يتوقع من سيأتى فى المستقبل لحكم إثيوبيا؟ وأى درجات من الجنون قد تسيطر عليه؟ وأى أحلام إمبراطورية قد تتحكم فى عقله؟ وأى ضغوط داخلية قد تدفعه لتوظيف النيل لتحقيق مكاسب سياسية داخلية على حساب خسائر شعب مصر الوجودية التى قد تصل الى حد المجاعات والفناء؟ لذلك لابد من فعل يضمن الأمن ويحقق الأمان لأمة هى ذاكرة الكون.


لمزيد من مقالات د. نصر محمد عارف

رابط دائم: