رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أم كلثوم والعراق.. عشق أبدى (2ــ2)

فى الرحلة الثانية فى عام 1946, بعد أربع عشرة سنة من رحلتها الأولى, زارت أم كلثوم العراق لتحيى عيد ميلاد ملكهم فيصل الثانى بناء على دعوة رسمية, وتم إرسال طائرة خاصة لتنقلها من القاهرة الى بغداد. كان فى انتظارها فى المطار فى الثانى من مايو كبير مستشارى الوصى على عرش العراق عبد الإله الذى صحبها الى القصر الملكى عقب وصولها, حيث كان فى انتظارها والدة الملك وبقية نساء العائلة المالكة, وهو الذى قدمها للحفلة التى كانت مذاعة على الهواء مباشرة.

بهذه المناسبة نشر محرر مجلة الراديو المصرية مقالا موثقا لتلك الزيارة وصف فيه الحفلتين اللتين أحيتهما أم كلثوم فى تلك الرحلة والحفاوة التى استقبلها بها جميع أهل العراق.كانت الحفلة الأولى رسمية دعي اليها كبراء الدولة ورجال السلك السياسي وقد تفضل سمو الامير عبد الاله بتقديم الآنسة ام كلثوم بنفسه الى كبار المدعوين ثم غنت ام كلثوم فأرهفت لها الاسماع. غنت فسهر العراق كله ليسمعها اذ كانت الحفلة مذاعة في ارجاء العراق. قال الامير بعد الحفلة: “لو اني وزعت على كل عراقي كيسا مملوءا بالذهب لما استطعت ان ادخل السرور على قلوب اهل العراق كما فعلت بهم الليلة ام كلثوم. وانتهت الليلة والناس سكارى بسحر ام كلثوم والتحيات حولها تتناثر كالورد فهذا دولة السيد توفيق السويدي يقول لها يا آنسة من حقنا ان نقبض عليك الليلة بتهمة سرقة قلوبنا, وهذا السفير البريطاني يقول إنها مثل عظيم. واصبح الصباح على ام كلثوم في فندق ريجينت فاذا هي مليكة الفن وجموع الشعب والهيئات الفنية والمعاهد بأعلامها تهتف لها ولمصر في طرقات بغداد, والكبراء والعظماء ورجال الصحافة يتوافدون على الفندق لتحيتها. وقبيل الظهر اتصل بها القصر الملكي تلفونيا يكيلون لها الثناء ويقول لها جلالة الملك: نحن في انتظارك على الغداء. وتناولت طعام الغداء على المائدة الملكية حيث قال لها جلالة الملك انت كنت الليلة زينة اكثر مما سمعتك في الاسكندرية. وبعد ظهر اليوم نفسه دعتها السيدة حرم دولة نوري السعيد باشا الى حفل استقبال في دارها، حضرتها صفوة سيدات العراق فما ان دخلت عليهن حتى قوبلت بعاصفة من التصفيق. وظلت بعدها أم كلثوم موضع الحفاوة والتكريم حتى ميعاد الحفلة الثانية التي اقامها وزير مصر المفوض بدار المفوضية المصرية، وشرفها صاحب السمو الملكي والوزراء ورجال السلك السياسي وكبار القوم وقد اعد بدار المفوضية جناح خاص لجلالة الملكة الوالدة وصاحبات السمو اميرات العراق وكرائم العقيلات. ذهبت ام كلثوم الى دار المفوضية المصرية مدعوة ولكنها ما لبثت ان اصبحت داعية فقد كانت السيدة حرم الوزير المصري متغيبة في القاهرة فقامت ام كلثوم باستقبال المدعوين وتحيتهم، وظلت تنتقل بين جناحي الرجال والسيدات ثم كانت خير تحية لضيوف مصر فغنت لهم سلو قلبي ثم اهل الهوى فأبدعت ما شاء لها الابداع. ختم محرر الإذاعة مقاله: وفي ختام الحفلة تقدم حضرة صاحب السمو الملكي الامير عبد الامير عبد الاله فقلدها بيده الكريمة وسام الرافدين كما قدم لها باسم جلالة الملكة عقدا فاخرا من اللؤلؤ بين تصفيق الحاضرين وهتافهم للملكين فاروق وفيصل. ومما هو جدير بالذكر أن وسام الرافدين يمنح فقط للرجال, حسبما تنص عليه القوانين واللوائح في العراق ـ وتخليدا للمناسبة عدل القانون، ومنحته ام كلثوم لاول مرة في تاريخ العراق، انه شرف وأي شرف لأم كلثوم ان تتقلد بعد نيشان الفاروق ووسام الاستحقاق السوري ووسام العراق الشقيق وشرف واي شرف لمصر ان ترفع ام كلثوم رأس مصر عاليا في ربوع الشرق.

تركت الزيارتان أثرا بالغا لدى الشعب العراقى جعلها موروثا ثقافيا خاصا عنده. أحبها العامة والخاصة والحكام, وتغنى بها حبا شعراء العراق العظام حينها, وأورثوا ذلك للتابعين من بعدهم. منهم شاعر العراق العظيم بدر شاكر السياب الذى يجسد الأمر كله فى قصيدة له بعنوان: أم كلثوم والذكرى, وهو على فراش المرض فى لندن فى مارس 1963, كتبها ليعبر عن حبه لصوت أم كلثوم, ووصفه بأنه يسري كالماء الي قاع روحه كما يسري الماء في الاسفنج, فينسيه نكبته ويزيل عنه أوجاعه كأنه دواء, ويرويه, وكأنه أيضا سحائب من عطور من ألحان دون أوتار, ويشربه فيثري خياله, ويرسم فيه حدائق أشجار. استخدم السياب الصورة البلاغية التى وردت فى الآية 93 سورة البقرة التى تصف عصاة بنى إسرائيل: ..قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم.., يفسر الطبرى ذلك فيقول: أى أشربوا فى قلوبهم حب العجل, لأن الماء لا يقال منه : أشرب فلان فى قلبه, وإنما يقال فى حب الشىء, فيقال منه: أشرب قلب فلان حب كذا, بمعنى سقى ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه. لم يسبق السياب غير زهير فى استخدام ذلك التعبير:

فصحوت عنها بعد حب داخل.. والحب يشربه قلبك داء.

هذا ما يتذكره السياب عن تفاعل روحه وقلبه مع صوت كوكب الشرق أم كلثوم: وأشرب صوتها فيغوص من روحي الي القاع.. ويشعل بين أضلاعي غناء من لسان النار يهتف سوف أنساها.. وأنسي نكبتي بجفائها وتذوب أوجاعي وأشرب صوتها فكأن ماء بويب يسقيني.. وأسمع من وراء كرومه ورباه ها هو ترددها الصبايا السمر من حين الي حين.. وأشرب صوتها فكأن زورق زفة وأنين مزمار تجاوبه الدرابك يعبران الروح في شفق من النار.. يلوح عليه ظل وفيقة الفرعاء أسود يزفر الآها سحائب من عطور من لحون دون أوتار.. وأشرب صوتها فيظل يرسم في خيالي صف أشجار.السياب, يصف لنا ويشخص التفاعل الكيميائي الذي يحدثه صوت أم كلثوم في الروح والقلب والخاطر لأى مستمع لها فى أى مكان وزمان, وكأنه مفسر وعالم كيماوى.


لمزيد من مقالات ◀ د. مصطفى جودة

رابط دائم: