رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خارج المدن وداخلها.. هوية المكان خارج نظام الزمن

المدن والأمكنة تحمل فى تكوينها التاريخى والاجتماعى والمعمارى وتطوراته، جزءا من هوياتها وتحولاتها وتوتراتها وأزماتها، كتعبيرات عن جدل الإنسان والمكان، والفعل الإنسانى فى قلب فضاءات المدن، وجمالياتها وقبحها وتنظيمها وعشوائياتها، وخاصة المدن الأجمل التاريخية من مثيل روما وباريس وفيينا .. الخ .خاصة تطورها التركيبى وطبقاته وطرزه المعمارية، ومحمولاتها من الابداع الثقافى والموسيقى والمسرحى والأدبى والتشكيلى والشعرى والتقنى، وحركياتها الاجتماعية وتحولاتها الاقتصادية وتوزيعات طبقاتها الاجتماعية على خريطة المدينة واحيائها وضواحيها وطرق مواصلاتها وطرقها، والمدن الفرعية حولها التى لاتنفصل عن الروح المدينية. هذا التركيب الاجتماعى التاريخى جعل المدينة والأمكنة حاملة لهوياتها المتعددة فى وحدتها الكلية. هوية المدينة الم تعد مقصورة على التراث المادى فقط، وإنما تتعداه الى رمزياته والتعدد فى طبقاتها التاريخية حتى التحديث فى إطار تطور الرأسمالية الغربية والحداثة ثم تطورات مابعد الحداثة الى المدن الكونية الكبرى حتى بعض الفوضى المعمارية فى مدن جنوب العالم العريقة فى القاهرة وطهران وغيرهما التى تعبر عن اضطربات وتوترات الهوية ومنازعاتها، واللعب السياسى بها على روح المدينة وعدم قدرتها على الحفاظ على طوابها وموروثاتها فى انتظام، وتمدد تشوشاتها الهوياتية وثقافتها وترييفها .

الأمكنة التراثية التاريخية هى جزء من الذاكرات الجماعية، وتشكل أحد مكونات الهويات الفردية والجماعية للجماعة فى المجتمعات الانقسامية، وأحد مكونات الهوية الوطنية فى الدولة/ الأمة الحدثية. من هنا كان الحفاظ على التراث المادى للأمكنة، جزءًا من سياسة الأصالة والتكوين التاريخى للهوية وتجديد بعض من ثوابتها فى إطار المتحولات فى تشكيلات التخييل الجمعى والفردى لها. بعض الأنظمة السلطوية العربية تتعامل بلا مبالاة مع التراث المادى غير الذائع من منظور سياحى، من حيث قدرته على تلبية دوافع الطلب السياحى الخارجى على الأمكنة. ومحمولاتها الأثرية، ويلجأ بعضها إلى هدم، وتغيير هوية وثقافة المكان، بهدف إنشاء بعض الأبنية الحديثة، من خلال طرز معمارية حداثية أو ما بعدها، دون مراعاة للشخصية الأثرية التاريخية، وعوالمها من طرز البناء، وجمالياته وعصره.

هذا النمط الشائع من التفكير والسلوك البيروقراطى العربى، يعكس هيمنة العقل الآداتى الذى يفتقر إلى المعرفة التاريخية والوعى بها. ثقافة المكان/ الأثر وجمالياته كحامل للذاكرة والهوية، تبدو خارج التكوين التعليمى، والثقافى، فى المراحل المختلفة للتعليم، من هنا تمددت ظواهر الإهمال السلطوى والجماهيرى بهوية المكان وتاريخيته، وأهميته فى تشكيل الوعى التاريخى، والجمالى لدى قطاعات اجتماعية واسعة على نحو ما نشاهد منذ أكثر من ستة عقود. من هنا انتشرت ظاهرة أمية العيون –إذا استعرنا وصف كميل حوا-، ومعها ثقافة القبح على نحو ما نشاهد فى المدن العربية التاريخية، التى شهدت ولا تزال إهمالا للتراث المادي.

تحولت المدن العربية التاريخية إلى مقالب زبالة معمارية، تعبيرًا عن الفوضى وسطوة عقلية المقاولين وتواطؤاتهم مع تدهور العقل المعمارى وتكوينه الثقافى والجمالى مع الفساد الوظيفى فى قلب البيروقراطية، وانفجار المناطق العشوائية، خارج الشروط الفنية، وطبيعة الأمكنة فى قلب المدن، أو على هوامشها.

أصبحت ثقافة القبح المعمارى، وفقدان الشخصية المعمارية وطرزها وجمالياتها مواكبة للانفجارات السكانية، والبطالة، وانهيار التعليم، وتراجع الطلب السياسى والاجتماعى على الثقافة عموما، و غياب ثقافة المكان وجمالياته وذائقته فى الوعى الجمعى، والسلطوى، وفسادهم المبين. أدى ذلك إلى تشكيل وتنامى ثقافة القبح وتمددها لتسكن حنايا الوعى الفردى والجماعى فى المجالين العام، والخاص. من هنا تنامت ظاهرة هروب الأثرياء، والنخبة السياسية، من المدن التاريخية، وتركها للإهمال والتشوه إلى التجمعات المغلقة، والمسيجة بالأمن الخاص، وبها كل الخدمات ومناطق اللهو، والأسواق، والتريض..إلخ.

حالة سوسيو-نفسية، تعكس انشطارات والأغتراب عن روح وثقافة المحمولات التاريخية للمدن والحواضر الكبري. من هنا تزداد حالة الانعزال عن روح المدينة، والانفصال عن حركة تفاعلات الأمة، وإلى تشكل جماعات العزلة الجديدة، التى تدير حياتها اليومية عبر الحياة الرقمية، والعمل الرقمي. من ثم يبدو المكان التاريخى وهويته محض صور رقمية معزولة عن الوعى الحسى لساكنى مدن العزلة. من ناحية أخرى، يعيش المهمشون والفئات الشعبية، والوسطى التى تتآكل قوادمها مع عسر الحياة الاقتصادية، والبطالة، مع الفوضى المعمارية ومحمولاتها من ثقافة القبح المعمارى، وانهيارات هوية المدينة التاريخى، وتراثها المادى وشحوب رمزياتها وهويتها اللامادية.

مدن الانفجارات السكانية، وفوضاها تحمل معها موت ثقافة المدينة الحاملة للحداثة وقيمها، والتحديث السلطوى المادى التاريخى، ومعها قيم الحريات العامة والفردية، وإغلاق المجال العام .

ترييف أو بدونه المدن فى العالم العربى، وغزو الذوق المعمارى العشوائى، شكل ولا يزال أرضية لتمدد الأصوليات الدينية اللامبالية بقيم وثقافة المدن وجمالياتها، وتراثها المعمارى –باستثناء دور العبادة-، وذلك على نحو ما نرى فى تحولات المدن الكوزموبوليتانية الكبرى كالإسكندرية، والقاهرة التى غادرت تواريخها وثقافاتها لصالح الأصولية الدينية، وهندساتها الاجتماعية فى نظام الزى والخطاب اليومى، ومحمولاته من الازدواجية، والتواكلية والقدرية، واللامبالاة بنظام الزمن، والحياة خارجة لصالح ماضٍ متخيل عبر تأويلات لا تاريخية، باتت تسيطر على السلوك الاجتماعى، ونظام التفكير وسلفنة المدن الذى تبدو غائبة عن ثقافة المدينة وحياتها وقيمها وجمالياتها، انحدارها نحو سرديات تاريخية تخييلية يحاولون إحياءها لمصلحة فوضى المكان وهوياته وتاريخه ومحمولاته وتخييلاته. فى مدن العزلة الاجتماعية خارج القاهرة يسيطر نمط معيشى مترف فى استهلاكه ويبدو كصور كاريكاتورية من تصورات سوقية شائعة عن الجمال ونصاعة الحيز العمرانى ولاتعدو ان تكون محض كاريكاتور إعلانى فاقد للجمال والشخصية المعمارية يحاكى صورها المتلفزة فى فضاء استهلاكى تسيطر عليه سلطة الأشياء من السلع والخدمات واستهلاك رقمى مواز يزيد من تسطيح الوعى الفردى والجماعى لساكنى العزلة والحياة المتشيئة. من هنا تبدو هوية أمكنة العزلة شاحبة وتكرس الانفصام المجتمعى والانعزال عن هوية المدن التاريخية فى عالمنا العربى .. حياة يصوغها الإعلانات ويحددها فى عشوائية وسوقية معمارية لكى تبدو حياة فى الإعلان وليست حياة وتفاعلات بشر وحركتهم الاجتماعية وابداعهم وفعل الحياة. تشيؤ مستعار من مجتمعات اكثر تطورا هم بعيدين عن عوالمها الضاجة بفعل الحياة وابداعها الخلاق.


لمزيد من مقالات ◀ نبيل عبدالفتاح

رابط دائم: