رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحضرة السعدنية

لا أكتب رثاء ولا أقيم تأبينًا، إذ أظن أن فن المراثى قد انتهي، رغم أنه بقى زمانًا طويلًا يمثل بابًا قائمًا بذاته فى الشعر والنثر العربيين، وكان بعض الشعراء يؤرخون بحروف الشطر الثانى من البيت الأخير فى المرثية لتاريخ وفاة من يرثيه.

وربما كان سر انتهاء ذلك الفن هو أن الفقد قد اتسعت دوائره كمًا ونوعًا، لدرجة أنه أصبح يشمل أوطانًا بكاملها وقيمًا بمنظوماتها، تضيع وتنهار، فيغطى ضياعها وانهيارها على ما عداها وأدنى منها، وفى ذلك أمثلة فادحة عشناها ونعيشها.. غير أن رحيل أشخاص بعينهم هو ما يدفع البعض للكتابة عن راحلين، ليس لذواتهم فقط وإنما لأنهم- رغم رحيلهم- يبقون جزءًا من نسيج تاريخ الأمة، فلا يستطيع مؤرخ- يسعى لرصد وتحليل واستخلاص دروس حقبة معينة- أن يتجاهلهم، سواء كان الأمر تاريخًا سياسيًا أو تاريخًا اجتماعيًا واقتصاديًا أو تاريخ أدب ونقد وفلكلور وما إلى ذلك.

وقد شاءت الصدفة أن أقترب من كثيرين يتحقق فيهم أنهم من هذه العينة، وفى مقدمة هؤلاء الأستاذ محمود السعدني، الذى حلت ذكرى رحيله يوم 4 مايو، والأستاذ كامل زهيرى الذى تصادف أن يوم ميلاده هو 3 مايو.

ولد السعدنى الكبير فى 28 فبراير 1928، ورحل جسده فى 4 مايو 2010، كما ولد كامل زهيرى فى 3 مايو 1927 ورحل فى 24 نوفمبر 2008، فهل هى الصدفة التى لها قوانين لم يرصدها العلم رصدًا كاملًا أن يكونا من جيل واحد ضم معهما من ولدوا عند مطلع القرن فى 1901 إلى من ولدوا عام 1933، باعتبار أن القرن يتوزع إلى ثلاثة أجيال؟! وهو جيل لو صح معيار السنين يضم الأستاذ محمد حسنين هيكل المولود فى 23 سبتمبر 1923 والأستاذ محمد عودة فى 1920، والأستاذ صلاح جاهين المولود فى 25 ديسمبر 1930 وغيرهم، ناهيك عن جمال عبد الناصر المولود 1918 وثروت عكاشة المولود 1921 وأيضا أمين هويدى 1921، ولو استطردت لمجالات الأدب شعرًا ونثرًا ونقدًا، والفن تمثيلًا وتلحينًا وغناءً وتشكيلًا، والعلم فى مجالاته الإنسانية والعلمية كالفيزياء والرياضيات والكيمياء وغيرها؛ لانتهت مساحة المقال دون أن تفى بالغرض.

اقتربت من الأستاذ محمود وعرفت بعضًا من شخصيته، ولا أقول عرفته بشكل مطلق، لأنه كان وسيبقى نموذجًا للمثل الذى قيل عن العميان والفيل، ويضرب لينطبق على الناس والحقيقة.. إذ يمد كل أعمى يده ليلمس جزءًا من الفيل، فيظن أن ما لمسه هو الفيل كله.. فمن لمس الساق قال إن الفيل أسطوانى ضخم.. ومن لمس الأذن قال مفلطح عريض، ومن لمس الخرطوم قال أسطوانى رفيع وطويل، وهلم جرا، والواقع أن الفيل هو كل ذلك مجتمعًا!

وهكذا كان حالى مع الأستاذ كامل زهيري، رغم أن اقترابى منه تحول- فى سنى حياته العشرة الأخيرة- إلى تلازم معظم أيام الأسبوع، ومعظم وقت السهر الممتد من الثامنة مساء إلى قبيل الفجر!.

وكنت فى الحضرة السعدنية ألتزم- كغيري- الصمت، إذا عكم عم محمود هواء المكان، ليبث فيه وحده موجات إرساله التى قد تأتى سعالا يعقبه زومان، إذ يطبق شفتيه ويمطهما ويزوم من حنجرته، وقد تأتى تحية إسكندرانية معتبرة، يعقبها طلاق من أى أحد وبالاسم، حتى وإن كان جزءًا حساسًا وموطن عفة لذلك المذكور، ولم يحدث قط أن كان طلاقًا مرسلًا، لأنه كان وبقى يحب أسرته لدرجة الهوس التعبدي.

وقد تأتى الموجة حديثًا طويلًا عن ذكريات ووقائع تعود إلى قهوة عبد الله، حيث الحاضرون الدكتور الأديب والناقد الكبير عبد القادر القط، وأنور المعداوي، وزكريا الحجاوي، وطوغان، وأحيانا الضابط المفصول من الجيش أنور السادات! وكان إرساله لا يتوقف حتى وهو يأكل، ومن قبل الأكل يشرف على تجهيز الطاجن ويحرص على توازن مكوناته، وعندما يخرج بلونه الشهى من الفرن يبدأ الغزل ويزوم حتى ينتهي.

وكان يعبر عن أنه فى تفكير عميق، وربما فيه ألم وغيظ؛ بالعض على إصبعه السبابة.. كل الإصبع بالعرض تحت أسنانه وليس عقلة أو عقلتين.. وإذا حضر فى حضرته دخيل أو ثقيل أو لزج أو متعالم ومتهالك ناله أحد عقابين، إما التجاهل العلنى بأن يسأل عم محمود كل الجالسين عن ماذا يشربون، فإذا وصل للمذكور لم يوجه إليه السؤال ويقفذ عليه– يعديه– ويواصل السؤال مع من بعده، وإما أن يبدأ اصطياده تمهيدا لمسخرته، التى ما إن يشم بعض المقربين من صاحب الحضرة رائحتها حتى ينوبوا عنه فى إتمامها على أكمل وجه.

وأذكر ما جرى ذات مرة لصحفى كان يكتب اليوميات فى الأخبار وكان يتعمد أن ينطق كلماته بلهجة مصطنعة ليثبت أنه ما زال متمسكا بأصوله الريفية، ولاستكمال الاصطناع كان يلبس جلابية ويمسك عصا.. وبدأ يتردد على الحضرة السعدنية وعلى مصطبة الحاج إبراهيم نافع، الذى نصبه السعدنى الكبير عمدة للجيزة، وبمجرد أن يجلس صاحبنا يبدأ فى أسطوانة مشروخة فيسب ثورة يوليو وعبد الناصر رغم أنه يدرك ويعلم أن جميع الحضور من مشايعى يوليو ومحبى ناصر، ومرة وراء مرة ضج السعدنى وضج أكثر منه بعض أبناء الجيزة، وجاء التصريح بأن ينكلوا به، وعند أول مرة مقبلة حضر المذكور، وبمجرد أن نطق أول كلمة جاءته قذيفة سباب غليظة من أحد الشباب.. وعم محمود يصيح: اخرس يا ولد أنت تهين ضيفي، وكلما قالها عم محمود ليؤدب المتطاولين على صاحبنا كانت الموجة تعلو وبعنف، لأن اخرس كانت كلمة سر معناها استمر! وقام المذكور وخرج ولم يعد.

بقى محمود السعدني- ولا أقول كان- نموذجًا لابن البلد المهنى المثقف عاشق تراب المحروسة، حتى وإن كان التراب سباخًا موحلًا، وحتى وإن قاده عشقه ذلك إلى البطالة وفقد مورد الرزق.. وإلى معارك ضارية بالعبارة والإشارة وإلى السجن وإلى المنفي.. وبقى محمود السعدنى حقيقة متعددة الزوايا والجوانب، فتعددت الآراء فيه مثلما كان العميان والفيل كما أسلفت.. إذ تجد من يظنه كاتبًا ساخرًا خفيفًا وفقط، وتجد من يدرك عمق ثقافته واتساع فلسفته وحكمته ورؤيته عبر سطوره وكلامه ومواقفه.

إنه من جيل متفرد تعددت رموزه وتعاظمت مواهبه وأدواره، ولا أظن أن جيلًا لاحقًا عليه فى القرن العشرين ماثله.. وياللحسرة على محتوى مطلع القرن الحادى والعشرين.


لمزيد من مقالات ◀ أحمد الجمال

رابط دائم: