رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نقص الفضول العلمى

عندما جاء جيش نابليون لاحتلال مصر أتى معه بمائة وخمسين من العلماء، بالإضافة إلى مئات المساعدين والرسامين والمساحين، فكانت النتيجة كتاب وصف مصر، الذى يعد أول موسوعة مفصلة تدرس مصر والمصريين من كل الجوانب. لم يبدأ الفرنسيون الذين كتبوا وصف مصر من الصفر، لكنهم كانوا يبنون على تراكم معرفى يرجع إلى القرن السابع عشر، بخلاف الملاحظات الكلاسيكية التى كتبها المؤرخون والرحالة القدامي. لقد ارتبطت نهضة أوروبا بظهور تقاليد وثقافة جديدة تشجع الفضول المعرفي، ولولا هذا ما كان لأوروبا أن تنتج علماء من أمثال إسحاق نيوتن وكبلر وجاليليو وفرانسيس بيكون، وأسماء كثيرة أخري، فما هو نصيب مجتمعنا من حب المعرفة والفضول العلمي، وهل ارتبط إدخال التعليم الحديث فى القرن التاسع عشر بتحويل حب المعرفة والفضول العلمى إلى فضيلة شائعة بين الناس، أم أن مؤسسات التعليم الحديث سرعان ما تحولت إلى مصانع لإنتاج الشهادات، وليس إلى مؤسسات تشجع على المعرفة وتحببها إلى الناس.

قبل قرن ونصف القرن من وصول بونابرت إلى مصر، كان الرحالة الفرنسيون قد نشروا سبعة وعشرين كتابا – على الأقل – عن رحلاتهم إلى مصر، بزيادة 16 كتابا عما كتبه نظراؤهم الانجليز، بينما نشر الألمان ستة كتب، والهولنديون أربعة كتب، وكتابان نشرهما كل من الإيطاليين والسويسريين. أنتج الأوربيون هذا العدد الهائل من الكتب عن مصر وحدها، وأنتجوا عددا من الكتب أكبر بكثير عن بلاد المشرق والمغرب الأخري؛ وتأسست فى لندن فى عام 1741 الجمعية المصرية من دارسين معنيين بالمعرفة عن مصر؛فكم كتابا نشرها المصريون والعرب والمسلمون عن أوروبا كلها فى تلك المرحلة المبكرة؟ وكم جمعية علمية أسسوها لزيادة معارفهم عن العالم؟

مؤلفات الأوروبيين عن مصر وبلاد الشرق هى نتيجة لحب المعرفة والفضول العلمى الذى عرف طريقه للقارة الأوروبية بينما كانت القارة تخرج من القرون الوسطى المظلمة، إلى أنوار الحداثة؛ بينما كانت بلادنا تعيش فى مرحلة تاريخية امتدت عدة قرون، ركن خلالها المجتمع لإعادة إنتاج نفس المعارف المعتادة، بذات الأساليب التقليدية، التى ارتاحت للمألوف والمعتاد من الأفكار والنصوص، واستوحشت الخروج على معارف الأولين.

كتب الجبرتى عن علماء الحملة الفرنسية، وعن الأعاجيب التى يقومون بها فى معاملهم، عندما يخلطون المواد، فتنتج فرقعات وألوانا وروائح وأدخنة غريبة. كتب الجبرتى أيضا عن الإنجليز الذين زاروا مصر بعد رحيل حملة نابليون، و قصدوا الاطلاع على الأهرام المشهورة الكائنة ببر الجيزة غربى الفسطاط، لأن طبيعتهم ورغبتهم فى الاطلاع على الأشياء المستغربات، والفحص عن الجزئيات، وخصوصا الآثار القديمة وعجائب البلدان والتصاوير والتماثيل التى فى المغارات والبرابى بالناحية القبلية وغيرها. شغف الفرنجة بالمستغربات والجزئيات والآثار والتصاوير والتماثيل، هو ما لفت نظر الجبرتى فى الانجليز، ومن قبلهم الفرنسيون. إنه الفضول للمعرفة، ولولا أن هذا الفضول لم يكن معروفا عندنا ما كان الأمر ليلفت نظر المؤرخ النابه قوى الملاحظة.

كان لدينا علماء، وكان لدى الغرب أيضا علماء. آمن علماؤنا بأن العلم موجود فى بطون الكتب، وأن العلم بالدين وما يرتبط به هو الشيء الوحيد الذى يستحق الدراسة والمعرفة، وأن العلم يبدأ من نص مكتوب وينتهى بنص مكتوب آخر، دون حاجة لملاحظة وتدارس ظواهر وتغيرات تحدث فى الطبيعة والمجتمع، فتفسير نص سبقت كتابته هو غاية المراد من العلماء. على العكس من ذلك، آمن علماء الغرب بأن دراسة النصوص مهمة، ولكن ملاحظة ظواهر الطبيعة والمجتمع هى المصدر الأهم للمعرفة، وأنه يجب إنتاج معرفة جديدة، وليس فقط تفسير المعرفة القديمة، وأن مجالات المعرفة واسعة، تشمل كل شيء حولنا، وليس فقط أمور العقيدة والدين.

للغرب تاريخ طويل مع الدراسات الدينية، التى ركزت على دراسة النصوص، بالضبط مثلما كان الحال عندنا. كان للدراسات الدينية فى الغرب اسم - لاهوت أو ثيولوجي؛ وعندما ظهر هناك نوع جديد من المعرفة تقوم على دراسة الطبيعة، تم، فى القرن الرابع عشر، ابتداع مصطلح جديد للإشارة إلى هذا النوع المستحدث من المعرفة science، بما يؤكد تميزه عن المعرفة الدينية الأقدم عهدا.شيء من هذا لم يحدث فى بلادنا، حيث واصلنا استخدام نفس المصطلح–علم - للإشارة إلى المعرفة الدينية الأكثر رسوخا والأقدم عهدا، وأيضا إلى المعرفة الدنيوية التى بدأت تعرف طريقها إلى بلادنا فى القرن التاسع عشر، مع الحملة الفرنسية، ثم مع المدارس التى أنشأها محمد على ضمن مشروعه التحديثي.

تعرفنا على العلوم والمعارف الجديدة، لكننا لم نفارق الطريقة القديمة فى التعامل مع المعرفة، خاصة أن النوعين من المعرفة حملا نفس الاسم، وأن مصطلحاتنا لا تميز بين دارس الكيمياء، ودارس العقيدة، فكلهم علماء.فرغم ما يوجد من فروق بين المعارف القديمة والمستحدثة، فإنه يوجد أيضا قدر كبير من الاستمرارية، يتمثل فى مواصلة استخدام نفس المناهج القديمة فى تحصيل المعرفة وإنتاجها، وانتقال هذه الأساليب والمناهج من معاهد الدراسات الدينية، إلى المدارس والجامعات الحديثة. فظل الكتاب والنص هو الأصل فى تحصيل المعرفة، وظل حفظ النص عن ظهر قلب، واسترجاعه فى ساعة الامتحان، هو التعريف الإجرائى للتعلم المعمول به عندنا. ألا نستخدم تعبيرات الاستذكار والمذاكرة، للإشارة إلى عملية تحصيل العلم، فى إشارة إلى أن التذكر هو المكون الأهم فى عملية التحصيل المعرفي. أما زلنا نستخدم مصطلح التسميع، للإشارة إلى جزء رئيسى من عملية التحصيل المعرفي، عندما يقوم الطالب باستظهار النص الموجود فى الكتاب أمام ولى أمره، حتى يتأكد الأخير من أن فلذة كبده قد حفظ الدرس تماما. لدينا نقص فى حب المعرفة والفضول العلمي، وهذا هو الأصل فى نقص وضعف الإنتاج العلمى الصادر عن مؤسساتنا الجامعية والبحثية، ويجب أن تكون معالجة هذا الخلل هى الهدف الأهم لإصلاح التعليم فى المدارس والجامعات.


لمزيد من مقالات ◀ د. جمال عبدالجواد

رابط دائم: