رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نابليون.. شخصية تأبى التصنيف

هدير الزهار
نابليون

فى الذكرى المئوية الثانية لوفاته، لايزال العالم يتذكر الرجل الأقوى فى التاريخ الفرنسى، إلا أنه مثله مثل غيره من القادة والزعماء تتباين الآراء حولهم، حيث يراهم البعض أبطالا عظماء غيروا مجرى التاريخ بينما يراهم آخرون طغاة ومجرمى حرب.
يرى المعجبون بشخصية بونابرت أنه نموذج للبطل صاحب العقل العسكرى الفذ وعبقرى ذو رؤية ثاقبة أعاد شرف الأمة، وأنه من أسس الدولة الفرنسية الحديثة، التى أصبحت نموذجا للعالم. ويشيرون إلى أن قانون نابليون لعام 1804 لا يقل أهمية عن النصوص المدنية الشهيرة الأخرى، مثل «ماجنا كارتا» وإعلان الاستقلال، إلى جانب إنجازاته التى تحيا بها فرنسا حتى يومنا هذا، ومنها البكالوريا ومجلس الدولة ومحكمة العمل وبنك فرنسا (البنك المركزى)، وغيره».

وعلى الجانب الآخر، يرى البعض أنه مجرد طاغية مغرور، ويلقبونه بـ «الرجل القصير الذى قاد فرنسا إلى الخراب»، ضحى بحياة 6 ملايين شخص وهو يسعى لغزو أوروبا حتى أصبح نموذجا ملهما لطغاة القرن العشرين، وعلى رأسهم هتلر. ويعتبر هؤلاء نابليون رمزا للاندفاع الشعبوى، الذى يجب أن ترفضه فرنسا الحديثة بما تحمله من ديمقراطية وليبرالية. فقد وصفه ألكسيس كوربير، النائب عن حزب «لا فرانس إنسوميس» اليسارى المتطرف، بأنه «قاتل جماعى ولا ينبغى للجمهورية أن تحتفل بحفار قبورها». ويتهمه آخرون بأنه أعاد العبودية فى عام 1802 بعد ثمانى سنوات فقط من قيام الثورة الفرنسية بإلغائها، كما حرم النساء من الحقوق القانونية فى قانونه المدنى وأخضعهن لسلطة الأب أو الزوج. وتقول المؤرخة فرانسواز فيرجيس، التى ساعدت فى إنشاء مؤسسة ذاكرة العبودية، ومقرها باريس: «لم يكن شخصا جيدا لفرنسا بل إنه أعادنا للوراء»، واستطردت قائلة: «أولئك الذين يتفننون فى الإطراء على نابليون هم فى الغالب رجعيون معجبون بميوله الاستبدادية ووحشيته وقدرته على فرض نفسه متحديا الظروف.. إنه يمثل الرجولة البدائية والسلطوية الذكورية».
ورغم الانتقادات العديدة التى وجهت للرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون من قبل الجمعيات الحقوقية وأحزاب اليسار ومطالبتهم له بعدم الاحتفال بذكرى بونابرت، إلا أنه احتفل بها وزار ضريحه ووضع إكليلا من الزهور على قبره. وهو ما يسلط الضوء على تأثيره على الفرنسيين حيث ما يتم دائما قياس مواصفات أى رئيس للجمهورية فى العصر الحديث مقارنة ببونابرت . فالرئيس الفرنسى الأسبق شارل ديجول، بطل الحرب وإبن المدرسة العسكرية، الذى أصبح أول رئيس للجمهورية الخامسة فى عام 1958، كان الفرنسيون يطلقون على نظامه اسم «البونابرتية» أى أنه كان يستلهم قوته من نابليون فى تأسيس دولة قوية ومسيطرة دون اتباع نهجه الاستعمارى. فى حين أن الرئيس الفرنسى الأسبق جاك شيراك، الذى كان يلقب بـ «وريث الفكر الديجولى»، اختلف عن سالفه حيث كان يمقت نابليون، حتى إنه فى عام 2005 تجاهل الاحتفال بمرور 200 عام على معركة أوسترليتز، التى كانت أحد أعظم انتصارات نابليون. أما الرئيس الحالى ماكرون، فيحلو للكثيرين عقد المقارنات بينه وبين الإمبراطور الفرنسى، ويصفونه بأنه النسخة الحديثة منه، ويؤكد منتقدوه أنهما يتشابهان فى «الأسلوب المتغطرس».بل إن ماكرون نفسه، وقبل انتخابه رئيسا، أدلى بحديث صحفى أكد فيه أن فرنسا الحديثة بحاجة إلى شخصية نابليونية لملء الفراغ العاطفى والخيالى الجمعى.
ويعتقد تييرى لينتز، رئيس مؤسسة نابليون، ومؤلف 46 كتابا عن العصر النابليونى، أن الذكرى السنوية هى فرصة لإخبار الناس بواقع وحقيقة هذا الرجل، فهو كأى إنسان يحمل جانبى الخير والشر، لكن ليس هناك شك فى أنه أعظم رجل فى تاريخ فرنسا. ويقول لينتز: «نحن ومؤسساتنا وأثارنا وقوانينا مدينون له.. وفخرنا كفرنسيين يعود له، فقانون نابليون شكل حياتنا كمواطنين بقواعده المتعلقة بالمساواة أمام القانون والحرية المدنية».
فيما يمثل، أندرو روبرتس، المؤرخ الإنجليزى ومؤلف كتاب نابليون العظيم، الاتجاه الوسطى حيث يرى أن بونابرت مثير للجدل بشكل كبير، لكنه يستحق التبجيل لإنجازه أفضل أهداف الثورة الفرنسية، مثل إلغاء النظام الإقطاعى، لذا يمكن تسميته بـ «ديكتاتور الخير».
واليوم، رغم أنه لم يعد هناك أى تماثيل لنابليون أو شوارع تحمل اسمه فى الساحات الباريسية، إلا «أن نصبه الحقيقى سيظل يحيط بالفرنسيين» ــ كما يقول روبرتس ــ نصبه الحقيقى سيظل يحيط بالفرنسيين، ويمكن رؤيته بالنظر لـ«قوس النصر»، والاستشعار به من خلال القوانين المتبعة حتى يومنا هذا. فالإرث، الذى تركه ولا يزال يلقى بظلاله، أكبر من أى احتفالات تذكارية يختلف عليها الفرنسيون.. إنه «نابليون بونابرت» الرجل الذى نقدر عبقريته ونرفض استبداده.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق