رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

انزلاق المجر إلى بؤرة التوتر بين روسيا والتشيك

رسالة بودابست د. سامى عمارة
دول فيشجراد تتعاون مع الاتحاد الاوروبى فى إدانة جرائم العملاء الروس

المجر إحدى الدول المؤسسة لمجموعة فيشجراد أضحت مؤخرا فى موقف لا تحسد عليه. بودابست التى نعرفها على علاقة صداقة وتعاون متميزة مع روسيا الاتحادية، انضمت عن غير طيب خاطر على ما يبدو، إلى موقف بلدان هذه المجموعة، لتوقع بيانا تعرب فيه عن تأييدها وتضامنها مع التشيك. ولم تكتف المجر بالتأييد والتضامن، بل ومضت إلى ما هو أبعد، حين انحازت إلى مواقف بلدان المجموعة إعلانا عن شجبها وإدانتها موقف وسياسات موسكو تجاه التشيك، وإن تظل حتى اليوم بعيدة عن الانزلاق إلى حملات طرد الدبلوماسيين الروس من أعضاء السفارات الروسية فى عدد من بلدان الفضاء السوفيتى السابق والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية.

 

فى اجتماع عقده عبر الفيديو كونفرنس رؤساء حكومات المجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وبولندا، ناقش المجتمعون الأوضاع الراهنة، الناجمة عما تكيله التشيك من اتهامات لروسيا، حول مسئوليتها عن انفجار مستودع للذخيرة فى فربيتيتسى جنوبى التشيك فى عام 2014، وما تلا ذلك من ملاسنات كلامية وحملات طرد متبادل لدبلوماسيى البلدين. وبعد جدل لم يحتدم طويلا، وخلافات حول صيغة «الإعلان المشترك»، خلص المجتمعون إلى صيغة بديلة لما كان عليه هذا الإعلان فى صيغته السابقة، تراعى تلك التحفظات التى طرحتها المجر.  ومن هذا المنظور جاء الإعلان على النحو التالي: «نحن رؤساء وزراء بولندا والمجر وسلوفاكيا، نعرب عن تضامننا الكامل مع جمهورية التشيك، شريكنا الوثيق وجارنا، فيما يتعلق بمشاركة عملاء المخابرات العسكرية الروسية فى الأعمال التى أدت إلى الانفجار فى مستودع الذخيرة فى فربيتيتسى فى عام 2014 «. وأضاف البيان: «اننا ندين هذا العمل العدوانى المؤسف، وما ارتكبته روسيا من انتهاك للقانون الدولى على الأراضى الأوروبية، وكذلك الإجراءات غير المتناسبة التى اتخذتها روسيا ردا على القرار المبرر من جانب جمهورية التشيك بإبعاد 18 ضابطا من الاستخبارات الروسية من أراضيها، ونقدم للجمهورية التشيكية دعمنا الدبلوماسى والقنصلي». وعلى الرغم من حدة الصيغة التى خلص إليها المجتمعون، فإنها جاءت مخففة عن تلك التى عرضها رئيس وزراء بولندا صاحب مبادرة الدعوة إلى عقد هذا الاجتماع الطارئ لبلدان المجموعة. وقالت صحيفة «البرافدا الأوروبية» نقلا عن موقع «EURACTIV» إن فيكتور أوربان رئيس الحكومة المجرية رفض قبول صيغة كانت أكثر تشددا لبيان مجموعة فيشجراد، ما دعا الأعضاء إلى إقرار الصيغة الأكثر مرونة» التى اكتفت بإدانة «العملية السرية العسكرية الروسية» فى التشيك وهى عملية تفجير مستودع الذخيرة فى عام 2014. وكان البيان فى صورته السابقة يطالب بإلغاء مشروع «التيار الشمالي-2»، فضلا عن تأييد البلدان الأعضاء لأوكرانيا والمعارضة فى بيلاروس. وتأكيدا للموقف الذى تظل المجر تلتزم به فى علاقاتها مع روسيا، لم تصدر عن بودابست بعد أى بادرة تضامن مع التشيك فى إطار حملات طرد العاملين فى السفارة الروسية فى بودابست. وقالت «البرافدا الأوروبية» إن فيكتور أوربان وعلى النقيض من نظيره البولندي، يظل على علاقة طيبة مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وكان أعرب عن اعتراضه على ما جرى فرضه من عقوبات ضد روسيا بسبب قرارها حول «ضم شبه جزيرة القرم». كما ان المجر كانت الأولى من بلدان المجموعة والمنطقة التى قبلت استيراد اللقاح الروسى «سبوتنيك V»، فضلا عن التعاون فى مجال الطاقة والتوسع بمفاعلات جديدة لمحطتها النووية. ومع ذلك فقد توقف المراقبون عند الفقرة التى استقر عندها رؤساء حكومات بلدان مجموعة «فيشجراد» ونصت على استبدال التشدد بفقرة أخرى تقول: «إنه وبالتعاون مع رئيس وزراء جمهورية التشيك، ندين بشدة الأعمال غير القانونية والوحشية التى يرتكبها العملاء الروس. لن نسمح لمثل هذا النشاط بتقسيم أوروبا. كما أن دول فيشجراد تعرب عن تصميمها الحاسم وبالتعاون مع الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي، على اتخاذ كل ما من شأنه من إجراءات لتعزيز قدرتنا على الصمود المشترك».

ومن اللافت ان ما تضمنه هذا البيان من إشارة إلى «عدم السماح بتقسيم أوروبا»، يمكن أن يكون محاولة للتحفظ على نجاح روسيا فى تحييد، إن لم يكن استمالة عدد من بلدان الاتحاد الأوروبى إلى مواقفها تجاه التعاون مع الاتحاد الأوروبى ورفض العقوبات الغربية التى أقرها ذلك الاتحاد، بوازع مما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية من ضغوط. ومن هذه البلدان المجر والنمسا وبدرجة أقل إيطاليا وألمانيا وفرنسا. ومثلما سلكت المجر دبلوماسية عدم الانجرار إلى حملات الطرد الدبلوماسى المتبادل مع روسيا تضامنا مع التشيك، اتخذت ألمانيا موقفا مماثلا حتى كتابة هذه السطور. ونقلت صحيفة «فزجلياد» الروسية عن هايكو ماس وزير الخارجية الألمانية ما قاله حول حرص بلاده على عدم الانضمام إلى «جوقة العداء لروسيا»، فيما حذر الدول الأخرى من مغبة مثل هذه الإجراءات. وإذ وصف وزير الخارجية الألمانية اولئك السياسيين الذين يتبنون مثل هذا التوجه «بالخبثاء»، قال بضرورة «موازنة كل شيء جيدا قبل اعتماده، لأنه من غير المرجح فى الواقع أن تكون العقوبات الإضافية مفيدة، بل قد تكون ضارة». وقد عزا أندريه كورتونوف المدير العام لمجلس الشئون الدولية الروسى ما قاله ماس وزير الخارجية الألمانية إلى «عدم رغبة برلين فى إعادة النظر فى العلاقات مع موسكو فى الوضع الذى تستعد فيه ألمانيا للانتخابات البرلمانية». وقال إن خصوصيات العملية السياسية الداخلية فى ألمانيا قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة فى خريف هذا العام تملى ضرورة توخى الحذر. ومن هنا فان برلين لا تريد اثارة موسكو كثيرا نظرا لاحتمالات تغييرات مرتقبة فى الائتلاف الحاكم فى ألمانيا. وذلك ما دعا ألمانيا وعلى ما يبدو إلى تفضيل ما دأبت على تفضيله تقليديا، ويتمثل فى «ترك حل المشكلات الطارئة لتقدير المفوضية الأوروبية»، وبما يمكن أن يكون تفسيرا ومبررا لأى احتمالات لاحقة قد تغير معها ألمانيا موقفها، وتُقْدم على طرد دبلوماسيين روس، فى إطار ما قد تقوله ألمانيا حول انها فعلت ذلك بوصفه «جزءًا من موقف أوروبى مشترك، وليس مبادرة خاصة بها».

وبدا الوزير الألمانى فى هذا الصدد، قريبا من الموقف الذى أعلنه رئيس جمهورية التشيك ميلوش زيمان الذى قال بضرورة اعتماد كل التأويلات والنظر فى كل الاحتمالات الخاصة بأسباب «انفجار» أو «تفجير» مستودع الذخيرة فى فربيتيتسى جنوبى التشيك، ومنها ما يقال حول انتفاء الدليل على وجود «عملاء روس» فى مستودع الذخيرة فى فربيتيتسى فى تقارير مكافحة التجسس». وكان زيمان قال فى تصريحاته حول هذه القضية «إن التحقيق يتواصل وهناك روايتان، منهما ما يقول بوجود «التعامل غير المهني» مع محتويات المستودعات من قبل موظفيه، وآخر يشير إلى احتمالات تدبير تفجيرات من جانب عملاء أجانب، وأجهزة استخبارات». وناشد الرئيس زيمان المسئولين توخى الحذر وانتظار نتائج التحقيق. ولم يستبعد زيمان أن تكون هذه القضية نتجت عن دسائس أجهزة استخباراتية لا علاقة لها بروسيا. لكنه عاد ليؤكد أنه فى حال التوصل إلى ما يثبت وقوف عملاء روس وراء الانفجار، فإن موسكو تبدو مدعوة إلى أن «تدفع الثمن»، مثلا باستبعاد مؤسسة «روس آتوم» الحكومية الروسية من المناقصة الخاصة ببناء محطة «دوكوفاني» النووية فى التشيك على حد تعبيره. وأضاف «أنه وفى حال التأكد من انتفاء هذه الشبهة، فذلك يعنى أن الحديث يجرى عن خدعة استخباراتية قد تكون لها عواقب وخيمة للحياة السياسية فى التشيك».

وقد أثارت تصريحات رئيس الجمهورية التشيكية ضجة هائلة داخل الأوساط السياسية، بلغت حد توجيه رئيس برلمان التشيك اتهامه إلى رئيس الجمهورية ميلوش زيمان بـ «الخيانة العظمى» لأنه «كشف سرا من أسرار الدولة بعد إعلانه الحاجة إلى دراسة جميع الروايات». وكانت موسكو توقفت كثيرا عند هذه الاتهامات دفاعا عن رئيس الجمهورية التشيكية الذى قالت إنه لم يقل شيئا أكثر من مطالبته بعدم تعجل الاتهامات وتفنيد كل الاحتمالات. ووصف سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسية تصريحات المسئولين التشيك حول أسباب الانفجارات فى مستودع الأسلحة في فربيتيتسى وما جرى توجيهه إلى الرئيس ميلوش زيمان من اتهامات بالخيانة لمجرد انه اقترح التحقيق فى كل احتمالات وأسباب ما حدث، دون استبعاد رواية سوء وعدم الحذر فى تخزين مع الأسلحة بـ «انفصام الشخصية». وأضاف لافروف أن «الرئيس زيمان حين يقول إنه من الضرورى التحقيق، فهو لا ينفى احتمال أن يكون التخريب من قبل عملاء أجانب ما. كما انه يقترح أيضا أن تؤخذ فى الاعتبار حتى الرواية التى عبرت عنها القيادة التشيكية، بما فى ذلك رئيس الوزراء الحالي بابيش، حين قيل فى عام 2014 «إن هذا كان إهمالا من جانب أصحاب هذه المخازن».

وما دام الشيء بالشيء يذكر فقد توقف المراقبون والمشاركون فى البرامج الحوارية فى التليفزيون الروسى عند شخصية بابيش رئيس الحكومة التشيكية، مشيرين إلى وضعيته المالية كملياردير ورجل اعمال، صاحب مصلحة مباشرة فى إبعاد روسيا عن الكثير من استثماراتها فى التشيك ومنها مشروع بناء مفاعل نووى تقدر قيمته بستة مليارات دولار. وتلك تصريحات تعنى بين طياتها ما يعنى التشكيك فى مشروعية الكثير من مؤسساته المالية التى ترتبط فى معظمها بمصادر غربية، وبما يقول ضمنا سقوط الكثير من الأطراف المعنية فى شرك «العمالة» و«الفساد»، وهو ما يدفع بمجمل القضية إلى طريق مسدود، يكاد يزعق بأعلى الصوت... أليس فيكم من رشيد أو حكيم ؟!   


بوتين - زيمان

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق