رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

‪جان جاك ‬ روسو .. والعودة إلى جنيف

رسالة جنيف د. آمال عويضة
تمثال جان جاك روسو

لا يكتمل الحديث عن مشاهير مواليد مقاطعة جنيف الدولية، أشهر مدن القطاع الفرنسى فى الاتحاد السويسري، دون ذكر مواطنها، أهم كتاب ومفكرى عصر التنوير، جان جاك روسو، المولود فى البناية رقم 40 بالشارع الكبير فى قلب المدينة القديمة فى يونيو عام 1712، والمدفون عام 1794، بعد 16 عامًا من وفاته، فى مقبرة العظماء فى باريس. وقد كرمته سويسرا بوضع تماثيله فى ميادين تحمل اسمه، كما أطلقت جنيف اسمه على إحدى جزر بحيرة جنيف، حيث يتوسطها تمثاله موليا ظهره لفرنسا، كما احتفلت قبل أيام بافتتاح بيت سنواته الأولى لاستقبال الزائرين.

 

بداية شاقة ومربكة

مؤخرًا، عاد اسم روسو ليتصدر عناوين نشرات الأخبار والصحف، لافتتاح بيت روسو للآداب بعد الانتهاء من عملية تجديد البناية التى عاش فيها طفولته. استمرت عمليات التجديد على مدار العامين الماضيين، والتى جاءت استجابة لدعوة انطلقت قبل عشرة أعوام، لتحويل البناية إلى مشروع ثقافى مميز، وعلى مدار ثمانية أعوام تم التخطيط بدعم وتشجيع من المهتمين، وعلى رأسهم: ريمى هيلد براند الرئيس الحالى للجنة الأوروبية لجان جاك روسو، مانويل تورنار الأستاذ بجامعة جنيف ورئيس مؤسسة بيت روسو، وفرانسوا لونشومب رئيس المجلس الاتحادى السويسرى الأسبق، وتشارلز بيير رئيس قطاع الأبنية العامة فى مقاطعة جنيف، ومانويل كورنار عمدة جنيف الأسبق، وعدد من المثقفين السويسريين وأعضاء مجلس المقاطعة. تجاوزت الميزانية 6.5 ملايين فرنك، تحمل القطاع الخاص 80 بالمائة منها بمشاركة مؤسسة ثقافية محلية رفضت ذكر اسمها. وكما هو المتبع فى إصدار القرارات فى مقاطعات الاتحاد السويسري، تم تنظيم حملة لإقناع أعضاء المجلس المحلي، لتمرير قرارات البدء فى المشروع الذى حظى بموافقة 52 عضوًا واعتراض 17 آخرين، وامتناع 12.

لم يقتصر تجديد البناية المكونة من عدة طوابق على ترميمها فقط وإحلال وإبدال السلالم البالية، وإنما امتد ليشمل إضافة هوية بصرية معاصرة لمساحة تقدر بسبعمائة متر مربع، واستخدام حوائط البناية لبناء حوار تفاعلى بصرى بين أعمال روسو والفنانة البلجيكية إيفا لو روا. تم تخصيص الطابق الأرضى من البناية لمقهى ومكتبة، بينما أضيف مصعد زجاجى ينقل الزائرين إلى الطوابق العليا، حيث تم تخصيص الطابق الأول لمحطات فى حياة روسو مع استخدام وسائل عرض حديثة، بينما تم تخصيص الطابقين الثانى والثالث كفضاءات مفتوحة للأنشطة الثقافية من لقاءات ومناقشات وورش للكتابة وعروض فنية متنوعة. وتحتل إدارة المكان الطابق الرابع الذى تعلوه ثلاثة استوديوهات ملحقة بمطبخ وبهو مشترك مخصصة لإقامة الكتاب المتفرغين.

حياة حافلة

لعل ذلك الجدل حول تجديد البيت الذى شهد سنوات روسو الأولى فى جنيف، لا يختلف عن طبيعة المدينة، حيث كانت دومًا أشبه بمختبر للأفكار المتصارعة والاضطرابات الاجتماعية والسياسية التى تأثر بها روسو فى بداية حياته، حيث يمنح دستور المقاطعة/الجمهورية للمواطنين حقوقًا ديمقراطية فريدة من نوعها فى أوروبا فى مواجهة الأرستقراطيين، وهو ما انعكس على مراهقة روسو التى أمضاها فى منطقة الحرفيين المضطربة فى سان جيرفيه بسب قضية ضريبية، ليغادر روسو المدينة دون وجهة، لتتسارع الأحداث ويكتب التاريخ اسم مؤلف العقد الاجتماعى بحروف من نور، على الرغم من سلوكيات شخصية مرفوضة وآرائه السلبية تجاه النساء التى تتناقض مع كتاباته.

يكشف التاريخ عن علاقة "حب-كره" بين روسو ومسقط رأسه، لا تنفصل عن الصراع بين باريس الكاثوليكية وجنيف البروتستانتية حيث ولد لأبوين ينتميان لعائلة فرنسية بروتستانتية هربت عام 1529 من اضطهاد فرنسا الكاثوليكية إلى معقل المجدد البروتستانتى جون كالفين. ماتت أمه بعد أيام من ولادته، وتركه أبوه صانع الساعات المشاغب تحت رعاية عمه، وعلى الرغم من قانونية واستقرار وضع روسو كمواطن من جنيف إلا أن عدم استقرار حياته فى المدينة الفقيرة وقتئذ كان سببا فى هروبه إلى منطقة سافوى الفرنسية المجاورة فى سن السادسة عشرة حيث حظى برعاية أحد رجال الدين قبل الانتقال إلى بيت امرأة سويسرية فى مدينة آنسى ليتم تعميده كاثوليكيًا ويفقد بذلك مواطنة جنيف. انشغل روسو بالموسيقى والقراءة وتعلم الحساب والهندسة والرسم وعلم النبات قبل أن يرتحل على قدميه إلى مدن مجاورة لتمر حياته بمنعطفات كثيرة قبل العودة ثانية إلى جنيف للاهتمام بملف ميراث أمه، وسرعان ما يهجرها متنقلًا فى البلاد وصولًا إلى باريس فى مطلع أربعينيات القرن الثامن عشر رغبة فى احتراف الموسيقى باقتراح علامات ورموز موسيقى جديدة، ولكن مشروعه لم يلق اهتمامًا، وهو ما دفعه للاقتراب من جماعة الفلاسفة لتبدأ رحلة صعود نجمه ككاتب ومفكر وفيلسوف قبل العودة ثانية إلى جنيف عام 1758 ليستعيد علاقته بالكنيسة البروتستانتية، ثم يعاود التنقل والانتشار ونشر أفكاره وأوراقه وكتبه.


الابن الموهوب الضال

قدم روسو العديد من الأعمال فى مجالات شتى، كالشعر والمسرح والموسيقى وأوراق فى أسس عدم المساواة عام 1755، قبل أن يصدر روايته جولى ثم إيميل عام 1762، التى قلبت آليات التعليم الأوروبية، ويعد كتابه العقد الاجتماعي حجر الزاوية فى الفكر السياسى والاجتماعى الحديث، والأكثر تأثيرًا فى تاريخ أوروبا وأمريكا، وذلك على الرغم من تعرض كتاباته للاستهجان وحرقها فى جنيف وكذلك فى لوكسمورج التى انتقل منها إلى لندن عام 1766 للإقامة فى منزل الفيلسوف ديفيد هيوم، ثم عودته ثانية إلى باريس عام 1770 ملهمًا لمفكرى الثورة الفرنسية متجاوزًا شهرة منافسه فولتير، بعدما نقد أخلاقيات فرنسا، وألهم الحركة الأدبية الرومانسية، كما تركت أفكاره آثارها على فلسفة كانط وشوبنهاور، ومسرحيات شيلر، وروايات جوته، وشعر وردزورث وبيرون وشيلي، واشتراكية ماركس، وأخلاق تولستوي، مما كان سببًا فى تكريمه بطرق شتى من فرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، وروسيا، والولايات المتحدة، والبرازيل، والصين، واليابان، كما تم تدوين اسمه فى سجل ذاكرة العالم بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة  (اليونيسكو). وكذلك فعلت سويسرا التى تفتخر بروسو، ليس كواحد من النجوم الذين احتضنتهم ومنهم: كالفن وفولتير وأينشتاين ولينين مرورا بستالين وموسوليني، فضلا عن شارلى شابلن وكوكو شانيل وديستوفسكى وخورخى بورجس وغيرهم، ولكن باعتباره ابنها الضال العائد الذى تفتح بيته بعد طول غياب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق