رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بائع السمك !

بريد;

احترت ولم أجد تفسيرا لما شاهدته من (محمد)!، فلقد أيقظني صديقي مبكرا قائلا: «أنا رايح أجيب سمك من صياد معرفة في بحر «علقام» على حدود المنوفية مع البحيرة، ويمكن تكون محتاج سمك»، وبالفعل توجهنا معا إلي حيث يقطن عم عاطف وأسرته في حضن النيل الغربى، فرع رشيد، وقد رحّب بنا بوجه بشوش، وكان معه طفل نحيل الجسد، وذو بشرة قمحية وشعره قصير مجعد، وقال له أبوه: «سلم علي عمك وعمك» .. تلقفت راحتيه الصغيرتين بين يدي لألمح أعظم ابتسامة علي وجهه البشوش، وسألته عن اسمه وعمره، فقال علي استحياء «محمد»، لكنه لم يذكر سنه، فخمنت أن يكون عمره سبع أو ثمانى سنوات، فسألته: «فى سنة كام بالمدرسة»، فسكت، وفهمت أنه لم يلتحق بالتعليم، وانشغلت وصديقى بالحديث مع أبيه حول السمك، وقال لنا: «لكل منكما شروة معتبرة من سمك البياض النيلي»، وسألناه عن ثمن كل شروة، فقال: «أنا وزنته كله علي بعضه»، فطلبت أن يعيد الوزن بحيث يأخذ كل منا نصف السمك، فشعرت بارتباكه لأن وزن السمك بعد تنظيفه أقل من وزنه الحقيقي الذى يبيع به، ولمّا أدركت حرجه، قلت له بسرعة: سندفع ثمن السمك حسب الميزان الأصلي، ولكن نريد تقسيم السمك بالمناصفة بيننا، فذهب الرجل لكى يزن كل «شروة» بمفردها، وتركنا مع محمد!، فانتهزت فرصة انشغال الأب بوزن السمك وأخرجت عشرة جنيهات، وأعطيتها له فرفض أن يمد يده لأخذها، فوضعتها فى جيبه عنوة، فقبلها علي مضض، وفعل صديقي الشئ نفسه، وهنا قال الطفل» «لا .. أنا أخدت واحدة، ومش هاخد حاجة تاني»،.. وظل ممسكا بورقة صديقي بين اصابعه النحيلة يأبي أن يدخلها في جيبه.

وعاد الأب حاملا «شروة السمك» بعد وزنها لكل منا، وقال متهللا الحمد لله .. كل شروة ٤ كيلو وربع زي ما يكونوا مقسومين بالميزان، فشكرناه وهمّ صديقي بدفع الحساب وفق الحسبة الأصلية ٧٠ جنيها للكيلو مضروبا في ٩ كيلوجرامات (وزن السمك قبل التنظيف)، فيكون الحساب ٦٣٠ جنيها.

أخرج صديقي النقود من جيبه، وعدها، فوجدها ستمائة وعشرين جنيها، وبحث فى جيبه عن العشرة الباقية، ولم يدع الطفل الصغير فرصة لأحدنا لاستكمال المبلغ، إذ قفز من مكانه وكان لا يزال يحتفظ بورقة «الجنيهات العشرة» الثانية بين أصابعه، قائلا: «خدوا العشرة جنيه دي كملوا بيها الفلوس.. دي بتاعتكم».. ووجدتنى أحتضنه وأنا مندهش مما يتمتع به من نفس عفيفة، وراضية، وقنوعة وفطرة سليمة، ويقظة وانتباه لكل ما ومن حوله، ومتابعة عد النقود، وإدراك أن النقص عشرة جنيهات، فجاءته اللحظة التى يعيد فيها ما أعطاه له صديقى، مكتفيا بما أهديته له.. وتوجهت إليه بأسئلة صامتة، وأنا منبهر بتصرفه: من الذي رباك علي هذا؟، ومن الذي غرس فيك كل هذه الخصال الرائعة؟..

إن «محمدا» لم يتعلم، ولم يرفه كما يرفه غيره .. لكنه يتميّز بتلقائية وفطرة سليمة يندرأن تكون عند غيره من أقرانه في هذه السن الصغيرة، أو عند غيره ممن أثرت فيهم مغريات الحياة ومباهجها الكاذبة.

لقد تركت محمدا وأباه وأنا متلعثم مما شاهدت وعشت في هذه الدقائق المعدودة في حضرة هذا الصغير الذي يكبرنا كلنا عفة ورضا وطمأنينة.. تركته لكن لم تتركني صورته ولا اعتقد انها ستتركني، فهل لديكم تفسير لما غمرني به من ابهار بسماته التي لا أعرف من أين وكيف ومتي تحلي بها.. لقد مررت معه باعظم درس في حياتي!

د. أحمد الجيوشى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق