رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«الحوكمة» تنظم أموال الزكاة

تحقيق ــ حسـنى كمـال

  • د.عزالدين فكرى: علاج للبطالة وتكدس الثروات وإنقاذ للمشروعات المتعثرة
  • كيف نستخدم الزكاة لتحويل «المستحقين» إلى «دافعين» ؟

 

 

حقوق الفقراء لم تكن بعيدة عن جوهر التشريع الإسلامى، الذى جعل إخراج الزكاة على سبيل «الإجبار» وليس «الاختيار» .. وبعد 1400 سنة نكتشف أن تلك الفريضة المقدسة كانت كافية لعلاج مشكلة الفقر، لوأُحسن تحصيلها وتوزيعها وفقا لمصارفها الثمانية، والأهم أن يعاد تدويرها من خلال استثمارها، فالتعامل مع أموال الزكاء بشكل تلقائى وعشوائى، هو السبب الحقيقى فى كوننا لم نجن للآن أفضل ثمارها، وهناك بدائل واختيارات يقترحها الخبراء، تطرح علينا مصطلح «الحوكمة» كنظام جديد من القواعد والأسس والرقابة والقوانين، لضبط الأداء.. كما تطرح تجارب ناجحة لدول مجاورة، ولعل مناسبة تدفق تلك الأموال فى شهر رمضان تكون حافزا لنأخذ الأمر بجدية، ونقرأ كل تلك المقترحات قراءة واعية متأنية.

 

 

من اللطيف أن مجلة «فوربس» الأمريكية، قد أوردت أسماء شخصيات فى مصر ضمن قائمة مليارديرات العالم، فى أكثر من مرة، ربما تكون هذه القوائم مدخلا للحديث عن حقوق الفقراء فى ثروات الأغنياء، وهى كما ذكرنا ليست من باب التفضل أو الإحسان، حيث تحدث القرآن الكريم عنها بوصفها حقا: «والذين فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» فمن شدة أهميتها جعلها الله ركنا من أركان الإسلام، وتوعد منكرها ومانعها بالعقاب والعذاب، وبذلك فهى تمليك قدر معلوم من مال محدود، فى وقت معين لمن يستحقه بغرض تحقيق مجموعة من الأهداف، من بينها التكافل الاجتماعى، وتزكية المال والأهم القضاء على مشكلة الفقر، بطريقة تحفظ للفقير كرامته، وتضمن له ألا يمد يده.. وهذا جزء من التعريف الشرعى للزكاة ـ الذى قدمه لنا الدكتور عزالدين فكرى تهامى عميد كلية الإدارة بالجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات، موضحا أن هناك شروطا يجب توافرها فى المال الخاضع للزكاة، والمقصود به عند جمهور الفقهاء: ما كان له قيمة ويمكن حيازته والانتفاع به شرعاً، فان الإسلام لم يفرض الزكاة فى كل مال، وإنما اشترط تحقق الملكية التامة، ولا زكاة فى الديون المستحقة على الغير (المدينون) أوعلى الشخص للغير (الدائنون) حيث يمنع الدين الحال (السداد) للزكاة أو ينقصها بقدرها فى مال المدين.. ولابد من بلوغ النصاب، فلا تجب الزكاة فى أقل منه، ولا تستحق إلا بعد مرور حول أو عام كامل، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لازكاة فى مال حتى يحول عليه الحول»، ومعنى ذلك أن المال يجب أن يمر عليه فى ملك صاحبه ١٢ شهراً عربياً، ويسرى هذا الشرط على زكاة رأس المال ونمائه فى التجارة والنقود والأنعام، وأما زكاة الدخل من الزروع والثمار والمعادن فلا يشترط لها الحول وإنما تجب الزكاة فيها عند تحقق الدخل، كذلك يشترط أن يكون النصاب زائداً على الحاجة الأصلية لمالكه الذى أصبح من الأغنياء، والحاجة الأصلية هى ما يرتبط بالضروريات والحاجيات فقط دون التحسينات، كما أن للزكاة ثمانية مصارف حددها القرآن الكريم، فلا تدفع الزكاة على سبيل المثال للاغنياء والقادرين على الكسب، كما لا يجوز دفعها لأولاد المزكى ووالديه وزوجته لأنه مسئول عن إعالتهم.

التنمية المستدامة

إخراج الزكاة بشكل فردى (غير مؤسسى) وفى صورة تصدق جزئى، يحول دون مشاركة الزكاة فى تحقيق التنمية المستدامة المطلوبة، بينما تتمكن المؤسسات الزكوية التى تخضع للحوكمة، «أى النظام الذى يدار من المؤسسات والشركات من خلال تطبيق مجموعة من القواعد والقوانين والنظم لضبط العمل وتحقيق الرقابة الفعالة على مجلس إدارتها، بشكل يضمن الشفافية والعدالة» من استخدام أموال الزكاة والصدقات فى الغرض المخصص لها، ومنع تسربها إلى جهات غير مرغوب فيها قد تضر بالأمن القومى للدولة.

وأوضح أن فى الدول التى تخلفت عن جمع وإنفاق الزكاة، تقوم الجمعيات والهيئات الأهلية الخيرية بتلك المهمة، وهنا يثور التساؤل عما إذا كانت تلك المؤسسات قد قامت بدورها فى هذا المجال على الوجه الأكمل؟ حيث يلاحظ أن معظم تلك المؤسسات الخيرية فى حاجة إلى إعادة تقييم أدائها، إذ تقوم عادة بصرف أموال الزكاة والصدقات المجمعة فى مصرفين فقط من مصارف الزكاة على الفقراء والمساكين مع إهمال باقى المصارف السبعة الأخرى بالرغم من أهميتهم، مثل مصرف الغارمين الذين استدانوا وعجزوا عن السداد، وكذلك سهم ابن السبيل الذى يعمل على ضمان الحياة الكريمة للمسلم المسافر، كما تقدم الزكاة من ناحية أخرى حلولا لكثير من المشكلات الاقتصادية المعاصرة والتى فشلت النظم الاقتصادية الوضعية فى معالجتها، منها: مشكلة الاكتناز، حيث تعتبر الزكاة رأس المال نامياً بالقوة إذا لم يقم صاحبه بتنميته، مما يدفع صاحب المال إلى البحث عن أوجه استثمار يفوق عائدها مقدار الزكاة المدفوعة، ومنها أيضا مشكلة تكدس الثروات: حيث تعمل الزكاة على القضاء على هذه المشكلة من خلال إعادة توزيع الدخل القومى، وكذلك مشكلة البطالة: يفضل الفقهاء إعطاء الفقراء والمساكين من الزكاة ما يمكنهم من الحصول على مستلزمات الإنتاج والعمل حتى يتحولوا من أفراد عاطلين مستحقين للزكاة إلى منتجين دافعين لها، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تشجيع المشروعات الحرفية الصغيرة، كما تستطيع الزكاة أن تسهم فى تحقيق نوع من الاستقرار الاقتصادى، من خلال مساندة أصحاب المشروعات المتعثرة، حيث يمكن لسهم الغارمين إقالة مثل هذه المشروعات من عثرتها والمحافظة عليها ضمن أعضاء القطاع الإنتاجى بدلا من اقتسام أمواله قسمة الغرماء وتحويله إلى فقير مستحق للزكاة.

تجارب ناجحة

وأشار الدكتور عز الدين، إلى أن هناك عدة تجارب عملية ناجحة لبعض الدول العربية فى مجال زكاة المال، منها بالطبع المملكة العربية السعودية، وكذلك السودان التى قامت فى 1980 بإنشاء صندوق بهدف إحياء الزكاة كفريضة، أما اليمن فقد أصدرت عام 1999 قانون الزكاة، تحددت بموجبه الشروط العامة لوجوب الزكاة، ومقاديرها، حيث تتولى «المصلحة» عملية التحصيل، فى مواقيت وجوبها، ويراعى الرفق والترغيب فى تحصيلها، لتضعها فى حساب خاص بكل نوع من المصارف، على أن يكون للشخص المزكى الحرية فى توزيع ما يعادل 25% من مجموع زكاته، على الفقراء والمساكين من جيرانه وأقاربه غير الملزم بالانفاق عليهم، كما نص القانون على معاقبة كل شخص يمتنع عن دفع الزكاة بغرامة لا تزيد على مقدارها.

وحسب الدكتور عز الدين، فاننا فى مصر نحتاج إلى جهود كبيرة لضبط تحصيل وصرف تلك الأموال، إذ لايزال المزكون والمؤسسات الخيرية يعملون وكأنهم فى جزر منعزلة، مما يؤدى إلى عدم تحقيق الاستفادة المثلى من الزكاة، ومن أهم النقاط التى تحتاج إلى حوكمة، الحاجة إلى دراسة وتحليل طريقة إخراج الزكاة، وعمل المؤسسات والجمعيات التى تجمع وتخرج الزكاة، خاصة الشركات بجميع أنواعها، مقترحا الاعتماد على الغرف التجارية بالتعاون مع الأزهر الشريف فى هذا المجال.

ويضيف أننا نحتاج - أيضا - إلى التوعية بفريضة الزكاة، خاصة فى الشركات بجميع أنواعها، ودراسة تحليلية لكيفية صرف الزكاة بطريقة شرعية، وإحكام الضبط والرقابة والشفافية، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إعداد قاعدة بيانات على مستوى الجمهورية للمستفيدين، وتحديد أولويات الصرف على الفقراء والمساكين.

 

  • د. محمد برس: التحصيل من أعمال الدولة.. والأبحاث أثبتت تكاسل البعض عن دفع الزكاة

قوة اقتصادية كبيرة، وعلاج مضمون لمشكلة الفقر.. هكذا بدأ الدكتور محمد برس مدير مركز صالح كامل بالأزهر كلامه عن فرضية الزكاة، كما أكدتها الدراسات والأبحاث والمؤتمرات التى نظمت بالمركز، ولكن تحقيق هذا الهدف يتطلب – من وجهة نظره – أن تحصل الزكاة فى إطار تنظيمى جيد وبشكل شرعى وقانونى، بحيث تكون تحت إشراف الدولة، وذلك لكونها من أعمال السيادة، وأيضا لأنها دين واجب الدفع لمستحقيه حتى وإن أفلس دافع الزكاة، إذ أصبحت واجبا عليه بعد مضى الحول، لأن هناك الكثير ـ وفقا لما أثبتته نتيجة الأبحاث ـ يتكاسل عن دفعها فى موعد إخراجها لسبب ما أو لأنه تعرض للإفلاس أو ليس لديه سيولة نقدية، فلا تسقط من عليه إلا بدفع الدين الذى علق فى رقبته، كما أن كثيرا من أرباب الأموال تموت ضمائرهم بسبب حبهم للمال فى هذا العصر الذى انتشر فيه أكل الحقوق، فلا ضمان للفقراء والمساكين، إذا ترك حقهم لأفراد دون إشراف مؤسسى تابع للدولة خاص بهذا الغرض.

وقال الدكتور برس، يجب على الدولة اكتساب ثقة المواطن فى إدارة مثل هذه الأموال، وهو ما يحتاج إلى سن قوانين صارمة تضمن عدم حدوث أى تلاعب، مشيرا إلى أن هذا يحدث فى بلدان أخرى مثل الكويت والسعودية، حيث تجمع الزكاة تحت إشراف الدولة، كما كانت الزكاة فى صدر الإسلام، فإذا قامت الدولة بذلك سوف تستثمرها بالطريقة الشرعية، كما يفعل صندوق الزكاة بدولة الكويت الذى يستثمر هذه الأموال لحساب الفقراء.

مشيرا إلى أن بيت الزكاة تحت إشراف فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، قد أصبح محل ثقة وكيف أنه يعمل من خلال خريطة على مستوى الدولة لمستحقى الزكاة، وهناك بالفعل أعداد كبيرة من المستفيدين من تلك الأموال التى يدفعها أفراد وشركات من مصر وخارجها، وهناك إدارة خاصة لصندوق الزكاة بالمشيخة، بالإضافة إلى دراسة الحالات الجديدة المستحقة.

 

  • د.بكر زكى عوض: الضريبة لاتُغنى عن الزكاة.. وبناء المساجد منها لا يجوز

مفاهيم واعتقادات خاطئة ترتبط فى أذهان البعض بقضية الزكاة.. منها ما يتعلق بنواحى استحقاقها، وكما يقول الدكتور بكر زكى عوض، عميد كلية أصول الدين السابق، بجامعة الأزهر: يظن البعض أن زكاة المال من حيث الوجوب، قاصرة على الأموال النقدية، وهذا غير صحيح، لأن الكثير من زكاة الأموال مفروض على الزروع والثماروعروض التجارة، والمستغلات (أشياء معدة للاستثمار مثل العقارات والباصات، والمطاعم والكافيهات... الخ)، ورءوس الأموال فى هذا الجانب تتجاوز مئات المليارات، وإذا كانت النسبة المفروضة شرعا 2.5% للأموال النقدية، فإن نسبتها تصل إلى 5% لعوائد البساتين، والخضر والمحاصيل الزراعية، مما يعنى أن عددا من المليارات يمكن تحصيله من أموال الزكاة، كما اختلط الأمر - من ناحية أخرى - لدى البعض بين الضرائب والزكاة، فاكتفى بسداد الأولى إلى الدولة، وترك الثانية، بزعم أنها جزء من أو هى الزكاة بعينها، دون تفرقة بين الإلزام الإلهى والوطنى، وبين تحديد مصارف الزكاة من الله، وعدم محدودية مصارف الضرائب، وبين ثبات المقدار فى الزكاة، وعدم ثباته فى الضرائب،

ويشير إلى أن جهلا بمصارف الزكاة المقررة شرعا، أو عدم العلم بالمستحقين أو القدرة على الوصول إليهم، وهؤلاء لجأوا لاعطاء زكواتهم إلى المؤسسات الأكثر استخداما للدعاية والإعلان، أو التى تستخدم شعارات عاطفية مؤثرة مثل: «نحن نفك الغارمين، ونعالج المرضى، ونكسو العريان، ونبنى البيوت، ونقدم اللحوم، وندق طلمبات المياه»، لتتصرف فيها كيفما تشاء.

منتقدا الاستخدام الخاطئ لأموال الزكاة، كبناء مسجد أو المساهمة فى إقامة ناد أو إصلاح ميدان عام، موضحا أن هذا كله غير جائز شرعا، لأن المساجد أصبحت أكثر من حاجة المصلين، ويتعبد فيها الأغنياء والفقراء، ما يجعل إنفاقها على هذا النحو تعديا على حقوق الفقراء فى استحقاقهم، أما الجزء الخاص بمصرف «فى سبيل الله»، فتقوم به جهات سيادية خير قيام.

حل المشكلة

إنشاء بنك مصرى للزكاة بخلاف «ناصر الاجتماعى»، تجمع من خلاله أموال الزكاة، ويوضع تحت إشراف مفتى الديار المصرية، والهيئة الشرعية فيه من أهل الاحتساب وهم كثيرون (محتسبين أجرهم عند الله)، وتوزع الأموال حسب الأولويات..كان هذا أول مقترحات د. بكر، أما المقترح الثانى، فهو إيقاف التحصيل من كل (من هب ودب) ويؤذن بترخيص رسمى من قبل المفتى للهيئات والمؤسسات التى ثبت التزامها ولم تنفق ببذخ على العاملين فيها، والثالث هوالانتفاع بتجربة صرف المعاش، ويقاس عليها صرف الإعانات للفقراء، والمقترح الرابع: ضرورة إخراج بعض الفقراء من حال الأخذ إلى حال العطاء، عن طريق إقامة مشاريع صغيرة تدر دخلا وفق قوانين محكمة يكون حق الانتفاع - بلا مقابل- للمكان أو للالة أو للكشك مع بقاء الملكية للبنك، والخامس: إقامة بعض المصانع من مال الزكاة مع إحياء الحرف التى اندثرت، وتدريب الفقراء على الإنتاج كمصانع الملابس ولعب الأطفال، وإنتاج العصائر.

ويوضح أنه لا يتفق مع القائلين بالتحصيل الإجبارى، لأن بعض الأغنياء يكفل أهله وذويه القربى والجيران والأصدقاء دون أن يفصح، مع إحياء سنة الوقف الخيرى، والصدقة الجارية، وفى مال الاغنياء ما يكفى الفقراء كما أخبرنا النبى، صلى الله عليه وسلم، فهل من مستجيب؟!.


د.عزالدين فكرى - د. محمد برس - د.بكر زكى عوض

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق