رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كلمات
ثورة الكلمات والكمامات

إن اللغة العربية تضايقهم، لأنهم لا يستطيعون قراءتها.. والعبارة العربية تزعجهم، لأنهم لا يستطيعون تركيبها.. وهم مقتنعون أن كل العصور التي سبقتهم هي عصور انحطاط، وأنَّ كل ما كتبه العرب من شعر منذ الشنفرى حتى اليوم.. هو شعر رديء ومنحط، تسأل الواحد منهم عن المتنبي، فينظر إليكَ باشمئزاز كأنك تحدثه عن الزائدة الدودية، وحين تسأله عن (الأغاني) و(العقد الفريد) و(البيان والتبيين) و(نهج البلاغة) يرد عليك بأنه لا يشتري اسطوانات عربية ولا يحضر أفلامًا عربية!! إنهم يريدون أن يفتحوا العالم وهم عاجزون عن فتح كتاب، ويريدون أن يخوضوا البحر وهم يتزحلقون بقطرة ماء، ويبشرون بثورة ثقافية تحرق الأخضر واليابس، وثقافتهم لا تتجاوز باب المقهى الذي يجلسون فيه، وعناوين الكتب المترجمة التي سمعوا عنها .. هكذا وصف الشاعر الثائر نزار قباني المفكرين والمثقفين العرب في كتابه: الكتابة عمل انقلابي، عام 1975 .

وبعد مرور 23 عاما على رحيله في 30 أبريل 1998 ، مازلنا غارقين في نفس الوضع وكأن كلماته بمثابة إرهاصات لحالة من الركود الفكري تمخضت عنها هذه الأعمال الفنية «المسلوقة» بلا طعم ولا معنى ، فنحن لا نتذكر مثلا دراما رمضان في العام الماضي بينما مازلنا نردد أغاني فوازير نيلي وشريهان وعمو فؤاد ، وأغاني تترات المسلسلات مثل ليالي الحلمية والمال والبنون وموسيقي رأفت الهجان وألف ليلة وليلة .

لم يكن نزار شاعرا للمرأة فحسب كما حصره الكثير ، بل ثائر في بحر الكلمات ولم ينخرط في الدبلوماسية بعدما تخرج في كلية الحقوق عام 1945 وعمل بالسلك الدبلوماسي حتى قدم استقالته عام 1966 ، ولكنه فضل أن يبقى بركانا من الكلمات لا يهدأ حتى بلغ رصيد أعماله خلال نصف قرن نحو 36 ديوانا .

ولم يستطع أحد أن يفرض علي كلماته كمامة ، فحارب الغرب بكلماته وثار على العرب بكلماته وقاتل اسرائيل بكلماته ، فقال : إن الصدمة التي أصابت الفكر الغربي بعد حرب 73 سببها أن الغرب قد تعود على السرقة حتى صارت السرقة بالنسبة إليه حقا مكتسبا .. كما تعود على الخدمات المجانية بحيث يصعب عليه بعد 3 قرون من الممارسات الاستثمارية أن يطالب بدفع أجور العمل ، فالعمل بالنسبة لهم لا يزال ينقسم الى قارتين ،قارة للخدم وقارة للمخدومين .

وأن للمال العربي عمرا يطول أو يقصر ، والمخزون النفطي لا يمكن أن يبقي متدفقا الى الأبد ،فهو نار تأكل بعضها، لذلك لابد من وضع مخطط سريع لتحويل المخزون النفطي في باطن الأرض الى مخزون عقلي في رأس الإنسان وحين يجف النفط يكون العقل العربي قد أصبح في وضع حضاري وعلمي يسمح له بأن يكون طاقة بديلة .

وكأنه استشرف المستقبل الراهن وهرولة الجميع الآن نحو العلم والبحث بعد مأزق «كوفيد» ، الذي فرض على العالم كله «التكميم» وتحولت الكمامة الى سلاح دفاع ضد فيروس كورونا، والأفضل الآن أن تتحول الى اسلوب حياة وعادة متبعة، فالحفاظ على الحياة والصحة لم يعد شعارات موسمية ،إنما فرض عين يتغافله الكثير ونحن نبحر في الموجة الثالثة وإلا فالحظر عليك هو المكتوب يا وطني .. فالثورة ليست كلها حروبا بل حراك وانفعال يحركنا صوب دروب مبتغاة.


لمزيد من مقالات د.هبة عبدالعزيز;

رابط دائم: