رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إنها آفة خطيرة

بريد;

من يتابع الأعمال الدرامية الرمضانية هذا العام يتملكه العجب من إصرار صانعي هذه المسلسلات على وضع قضايا البلطجة والعنف والقتل وخاصة في الحارة المصرية على رأس القضايا التي تتم معالجتها في هذه الأعمال، وهي سمة كل عام، ويقيني أن هذه القضايا لا تمثل 1 % من الحقيقة الثابتة؛ وهي أن الحارة المصرية لم تكن في يوم من الأيام بهذه البشاعة المطلقة، ولا بهذا القتل العشوائي، والتجاوز الأخلاقى، وإنما تبقى رمزًا للشهامة والإنسانية والتعاون والرحمة والود الحقيقي، وإلا ما خرجت معظم أعمال نجيب محفوظ من رحم الحارة المصرية وعلى رأسها «الثلاثية» و«زقاق المدق»، و«خان الخليلي» وغيرها، والأمر نفسه ينطبق على أعمال يحيى حقى ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس وخيري شلبي وإبراهيم أصلان وغيرهم، الأمر الذى يدعونا إلى العجب من هذا الإصرار الغريب لصانعي الدراما المعاصرين على تشويه الثوابت، ومنها طبيعة الحارة المصرية.

ورغم الاختلاف حول قضايا معظم المسلسلات الرمضانية، فإن قضية الكتابة والسيناريو وصناعة الحوار في معظم هذه المسلسلات باتت هي الأخطر لمتابع هذه الأعمال، فقد أضرت بعاميتنا المصرية الراقية التى هى فرع ثابت وحيوي ومتجدد من فصحانا الخالدة، ومن صلب العربية القويم.. وما يحدث هذه الأيام من تشويه لها عن طريق ألفاظ جديدة ومشاهد عبثية لم نعهدها من قبل يكرس معجما جديدا من العامية المرفوضة كان من الواجب الانتباه إليها من جانب الأجهزة التي تبيح هذه الأعمال أو تجيزها.

والسؤال: لماذا لا تكون هناك جهة فنية تتبع وزارتي الثقافة والإعلام تكون مهمتها مراجعة (لغة ولهجات وسيناريوهات) هذه الأعمال الدرامية بالتعاون مع المتخصصين وكتاب السيناريو الكبار وأساتذة معاهد الفنون والتمثيل والمسرح وعلماء اللغة العربية في جامعاتنا ومبدعيها ورموزها المبدعة قبل إذاعتها، فلقد استمتع جيلي بأرقى دراما المسلسلات المصرية حينما كان يكتبها أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد وصالح مرسي وبشير الديك وأحمد أبو زيد ومصطفى محرم وغيرهم ممن أثروا عاميتنا وكرسوا لها مفرداتها الذهبية، وأبقوها حية على مداى السنوات الماضية، بل وجددوا فيها بكل معاني الرقي والسمو والعفة، ويبقى نجاح «ليالي الحلمية» و«المشربية» و«رأفت الهجان»، و «لن أعيش في حلباب أبي»، و«ضمير أبلة حكمت» وغيرها، رهين لغتها وأنماط كتابتها وعاميتها السامية وحواراتها الحية وطبيعة الأداء فيها، وهي الأعمال التي كان العالم العربي بأجمعه ينتظرها يوميًا في ليالي رمضان قبل مصر، وتركت أثرها في تشكيل الوجدان المصري والعربي طيلة ما يقرب من نصف قرن أو أكثر.

إن القضية الخطيرة التي يقع فيها مؤلفو المسلسلات الجديدة وكتاب السيناريو أنهم يظنون بتوظيفهم العامية المبتذلة أو سيل الشتائم الرهيب الذي يخترق آذاننا في معظم الأعمال بأنهم يعكسون الواقع الذي نعيشه أو يصورونه على درجة من درجات اليقين، والحقيقة تخالف المضمون تمامًا، فمن منا يتحدث بمثل هذه العامية التي لا توصف إلا بكونها عامية عبثية رخيصة، لا تعكس الواقع ولا تمثل سماته أو صفاته أو خيالاته، بل إنها تخلق واقعًا جديدًا لم نعايشه من قبل، ولم نعهده ولم تعرفه الأجيال على وجه الحقيقة، والحل الوحيد هو تضافر أجهزة الدولة الثقافية والإعلامية في مواجهة هذا التردي المقيت في لغة هذه الأعمال الرمضانية ومراقبتها من جانب المتخصصين قبل أن تذاع ويتابعها الملايين وتنتشر على الألسنة وتحاكيها الأجيال الجديدة، ولابد أن تكون هناك قرارات حاسمة حتى لا تتكرر هذه الآفة المقيتة كل عام، وحتى نستطيع أن نحافظ قدر إمكاننا على ما تبقى من سلامة فصحانا وعراقة عاميتنا الفريدة.

د. بهاء حسب الله

كلية الآداب ـ جامعة حلوان

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق