رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحلم العربى الفطرى!

عن ابن النديم العالم المعتزلي، أن الخليفة العباسى (المأمون) رأى فى منامه، كأن رجلا أبيض اللون، مشربا بحمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجبين، أجلح الرأس، أشهل العينين، حسن الشمائل، جالسا على سريره، وقال (المأمون): وكأنى بين يديه قد ملئت له هيبة، فقلت: من أنت؟ فقال: أرسطاليس، فسررت به وقلت: أيها الحكيم، هل لى أن أسألك؟ قال: سل فقلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن فى العقل؟ قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن فى الشرع، فقلت: ثم ماذا؟، قال: ما حسن عند الجمهور. قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم! فكان هذا المنام من أوكد الأسباب فى إخراج الكتب.. أى كتب الفلسفة الإغريقية . تعددت الأحلام العربية لرسم مسار للتقدم والحضارة، من الوحدة الكاملة إلى التكامل العربى بأى صورة، أو الانكفاء على الداخل! إلا أن حلم المأمون هو الحلم الواقعى الأساسى الذى تبدأ به النهضة من سبات الأوهام والتخيلات، ومع أنه حلم إلا أنه الواقع الذى تقوم عليه الحضارة، وربما اختلقه ابن النديم أو المأمون نفسه، لينطلق من طبيعة الواقع الأسطورى الشائع الذى يؤمن بالرؤى والأحاسيس الباطنية، ليؤسس للحياة العقلية الواقعية لتحديد مصادر المعرفة، التى تبدأ بالعقل ثم الشرع ثم الجمهور. قوة العقل تقود إلى واقعية العلم كأساس لتسيير الحياة العلمية، بناء على تلمس نواميس الكون وأسراره بالمنهج العلمى المرتب، الذى يفرض التواضع أمام حكمة الله فى خلقه، وينفتح على كل جديد قادر على إثبات مشروعيته بالأدلة والبراهين العقلية، ليدحض ما سبقه دون مقاومة للمعلومات والمعرفة صاحبة الأسانيد العلمية الواضحة، لا الأحلام التى تلقى فى نفس صاحبها أثناء النوم أو الضلالات أو الأوهام التى يسرح بها خياله، ويطمع أن يفرضها على الآخرين، مستندا للأقوال لا الحجج والبراهين العقلية العلمية، ففى الزمن الراهن أصبح للعلم السطوة على الشطحات العقلية نفسها!. سقطت الأحلام العربية كافة سواء الوحدوية الجامعة القسرية أو القطرية للخلاص الفردي، فالأولى أغفلت علميا طبيعة التكوينات العربية المتباينة من زراعية ريفية أو بدوية صحراوية أو تجارية رأسمالية وكذلك تباين العرقيات وخصوصيتها، أما الثانية القطرية فلا يمكنها الحفاظ على أحلامها البسيطة دون تحالفات إقليمية ودولية،وتدعيم قوتها لا يقوم على قدراتها الذاتية، بقدر علاقاتها الخارجية، فى عالم أصبح قرية صغيرة لا مهرب فيه من خريطة الصراع الدولى مع المصالح، وهنا يصبح لحلم المأمون دور فى الرجوع للعقل لفهم موازين القوى وطبيعة العصر فى علوم السياسة الدولية حتى نجد لنا مكانا تحت الشمس، بناء على الواقع، لا الأحلام الباطنية، التى تتحطم على واقع التوازنات والقوى الدولية والإغفال العمدى لطبيعة البنى الاجتماعية!.

لا يحتاج البناء الاجتماعى العربى إلا العودة إلى حلم المأمون بإصلاح العقل ونظام التفكير، ليعرف من أين يستمد المعرفة التى يبنى عليها قوام حياته العملية، بحيث تستقيم على العقل المشترك بين الناس، والذى يقتنع بنتائج العلوم الطبيعية والاجتماعية والنفسية، لكشف حكمة الله فى خلقه، ويعطى للنصوص النقلية فهما أعمق وأشمل، ويفصل التجربة المعيشية عن التجربة الروحية، التى يخوضها كل فرد بناء على تصوراته وقدراته النفسية والعقلية، التى لا تتكرر من شخص لآخر، ولا تنقل إلا بالاجتهاد الفردى لتنقية النفس والسمو بها! شتان بين الفطرة والغريزة، فالأخيرة فى علم سلوك الحيوان (الإثيولوجيا)، نزعة موروثة غير قابلة للتغيير عند الكائن الحي، لتقديم استجابة معقدة ومحددة للمنبهات البيئية دون ذكر السبب، ويؤكد العالم النمساوى (كونراد لورنتس) أن الغريزة كسلوك تلقائى غير متعلم لا تحمل هدفا، ولكن تجرى بشكل آلى بلا تفكير منطقي!ويشترك فيها كل الكائنات الحية، تولد وتحمل سلوكيات غريزية مشتركة بلا هدف أو منطق، والإنسان هو الكائن الوحيد الذى يسيطر على غرائزه بالعقل، ويجعل لها منطقا وهدفا، بل ويعدلها ويوجهها لمراتب أسمي، وذلك لا يعنى أن ليس له غرائز، بل لقد اختلف العلماء فى تحديد عدد الغرائز الأساسية فى الإنسان(ويليام ماكدوجال) بـ 17 غريزة أساسية، بينما غيره من العلماء عدها بالآلاف، بينما (فرويد) العالم النفسى الشهير لخصها فى مجموعتين هما الحياة (الإيروس)، والفناء (ثاناتوس) أى بين حالتى الحيوية والجمود!. الفطرة السليمة تقرن الغرائز بالعقل، واكتساب المعرفة، حتى أن (إبرا هام ماسلو) العالم الشهير عندما وضع هرما للاحتياجات الأساسية للإنسان، لم يعتبر للإنسان غرائز مثل الحيوانات، وإنما دوافع وميول تصقل بالتعلم والاكتساب وللإنسان القدرة على التحكم بها، واختيار الأولويات، ومن استخفاف القوى الدولية بنا طمس الفطرة واللعب على الغرائز الدينية والعرقية لخلق صراعات بينية لا طائل من ورائها إلا إضعافنا، والاستعانة بالأجنبى لقتل بعضنا البعض، ومن الفخر المصرى أن انحسار هذه الموجة الغرائزية قد بدأ فيها، كما بدأ منها، على يد بريطانيا الاستعمارية عام 1928، ومن مصر أيضا بتأييد وقناعة شعبية، يبدأ الحلم العقلانى الفطرى خاصة أن الدين الشعبى هو دين الفطرة!.


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: