رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المَقْلَّب

رغم أنَّ أوقات الذروة التليفزيونية تلى انطلاق مدفع الافطار، إلاَّ أنَّ العادة تَستبد بخرائط التليفزيون الرمضانى لتفرض عليها شعارًا شعبويًا هو (سلى صيامك)، والتسلية هنا لا علاقة لها بأصيل معناها (إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى النَّفْسِ وَإِبْعَادُ الضَّيْمِ عَنْهَا)، بل إنَّ القطاع المتسيد لمشهد صُناع التسلية اعتبر أنَّ أصل الرسالة فى صناعتهم هو التسلية للتسلية، والترفيه للترفيه، والضحك للضحك، انطلاقًا من النصيحة (الكُوُولْ) التى أطلقها «إتش دبور /أحمد مكي» قبل سنوات (كَبَّر الجى ووسعَ الدي)، وهكذا راحت خرائطنا التليفزيونية الرمضانية تعمل على تكبير كل (جى /جمجمة) حتى بات برنامج المقالب متتابع المواسم متصدرًا لإحصائيات المشاهدة، ومُتجاوزًا محلية الرعاية إلى دوليتها، ومُحوِلًا خصوصية مجالس الأُنس التى كان نجمها (بهلوان السلطان)، إلى مجالس مفتوحة تعبث فيها البهلوانات ممتهنة ذواتها فى سبيل أن يضحك السلطان وحاشيته وجماهير السلطَنة، وكلمّا ازداد اللهو فجاجة وفُحشًا زادت العطايا والهبات والإعلانات والرعايات، وهكذا يتعالى صراخ البهلوان مدير المَقْلَب ليصرخ البهلوانات الضيوف ضحايا الملقب -بعلمٍ أو بغير علم- المهم أنَّ الصراخ لا ينقطع ليضمن الجميع عطاءً فوريًا جزيلًا!. فى اعتصام المبدعين بوزارة الثقافة المصرية قبيل ثورة 30 يونيو 2013، كانت المقالب جزءًا من أسباب التسرية التى يلجأ إليها المعتصمون من شباب الفن، وكنتُ عائدًا للاعتصام من إحدى المشاركات التليفزيونية، وتصادف أن يكون دخولى للاعتصام مع بداية (مقلب) موجه إلى أحد الأصدقاء من مخرجى المسرح، حيث تُفتعل مشاجرة بين اثنين من شباب الفن فى حضوره لتوريطه بينهما، ولأن وصولى لم يكن فى خطة صناع المقلب فلقد انقلبت الأمور بمصاحبتى أطراف المشاجرة –المقلب- بعيدًا عن الأنظار ثم بدء النقاش الجاد حول أسباب المشاجرة ودوافعها ومدى مواءمة ذلك مع نبلُ الموقف للمعتصمين، وللحق فلقد حاول طرفا الشجار أن يواصلا تمثيليتهما ورفض وساطتى لكن المفاجأة كانت عندما وصل بناالحوارإلى الانتصار للذات أم للوطن، فتبادلا النظرات ثم قاما وقبلانى وتأسفا، وللوهلة الأولى لم أستوعب ما يتم فما كان منهما إلا مصارحتى أنه كان مقلبا ولم أكن المقصود بشراكه لكنهما لم يستطيعا الاستمرار مع (الكلام الكبير الذى كنت أخطابهما به)، غادرت المكتب الذى شهد النهاية المؤسفة لإفشال المقلب عبر خطابى شديد الجدية فى مشهد الهزل وهو الخطاب الذى لم تتحمله ضمائر طرفيه، لكننى كنت أتساءل (لما لا يكون حديثى هو المقلب؟!).(التفاهة) كتابٌ صدر عام 2017 لأستاذ الفلسفة والعلوم السياسية فى كيبيك الكندية (ألان دونو)، وفيه يوصى قائلًا (لا تكن فخوراً، ولا روحانياً أكثر من اللازم، ولا مرتاحاً، لأن ذلك يمكن أن يظهرك بمظهر المغرور، خفف من شغفك لأنه مخيف. وقبل كل شىء، لا تقدم لنا فكرة جيدة من فضلك، لأن آلة تمزيق الأوراق ملأى بها سلفاً، وسّع من حدقة عينيك، لأن هذه النظرة الثاقبة فى عينيك مقلقة للبعض. قلّل من إحساسك بذاتك إلى شىء لا معنيً له، يجب أن نكون قادرين على تصنيفك، لقد تغير الزمان فلم يعد هناك اقتحامٌ للباستيل، و لا شىء يقارن بحريق الرايخستاج، كما أن البارجة الروسية أورورا لم تطلق طلقةً واحدةً باتّجاه اليابان، ومع ذلك، فقد تم شنّ الهجوم بنجاح: لقد تبوّأت التفاهات موقع السلطة). عشرُ سنواتٍ من (المقالب) ارتدت التفاهة ثوب الأسد فى بدايتها لكنها سرعان ما خلعته قانعةً بُحلَة الثعلب، وراحت تصب كل مقادير الإنسانية على عجينة تفاهتها لتضمن (ألق جوهر كفاءتها)!، وقبل أن يتساءل أحدنا (ما هو جوهر كفاءة التفاهة؟)، يجيب الفيلسوف الكندى ( إنه القدرة على التعرّف على تفاهةٍ أخري، معاً تدعم بعضها)، إن هكذا توصيف لا يعنى أننا أمام مجرد ظاهرة عابرة شاذة عن قاعدة تسيدت، بل هى مرحلة تسوق مجتمعاتنا إليها مآرب واعية من صناعها والتى أقلها هو أجر مقدمها وضيوفها، حيث تتصدر التفاهة وتتسيد لتُدير وعى مجتمعاتنا وفى هذا يقول الفيلسوف الكندى (إنها خبيثةٌ ومثيرةٌ للشفقة، لأن التافه لا يجلس خاملاً، انهم يؤمنون أنهم يعملون بجهد، فالأمر يتطلب مجهوداً للخروج ببرنامجٍ تليفزيونيٍّ ضخم، أو لإكمال منحةٍ بحثيةٍ مموّلةٍ من وكالةٍ حكومية، أو لتصميم أكوابٍ صغيرةٍ وجذابةٍ للبن الرائب بشكل إيروديناميكي، أو لصياغة الأجندة المؤقتة لاجتماعٍ وزاريٍّ لرؤساء وفود ما، إن الطريقة الاعتيادية التى ينتجون فيها هذه الأشياء ليست طريقتهم، فالكمال الفنيّ يصبح أساسياً لتغطية الكسل الفكريّ غير المعقول الذى هو جوهر العقيدة الامتثاليّة للمهن)، أمام هكذا تشخيص لمرض يستشرى يكون المقلب الذى لا إفاقة من صدمته هو تماهينا معه باعتباره صحيح الفطرة وكل ما سواه مقلب.!


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: