رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المسلسلات وتقوية المناعة!

نظر فأمعن النظر فى وجه صاحبه فرآه نائما، أو كالنائم، وعيناه حمراوان كفنجانين من الدم، ويتنفس بصعوبة، ومع ذلك فقد غرق فى شاشة الموبايل يوشك أن يلتهمها التهامًا. ظن هو أن الامتناع عن الشيشة فى رمضان هو السبب. قال: ما لعينيك ملتهبتان هكذا يا عمَّنا.. أهكذا يفعل بك تَمَنُّع شيشتك عليك؟.. ضحك الصاحب ثم دمدم: لا وأنت الصادق.. إنها المسلسلات.. ألا ترانى سابحا فى ملكوت أحدها الآن؟.. ثم أردف: يا عزيزي.. أنا لا أنام إلّا إذا أجهزتُ على كل المعروض منها بالقنوات (كُلّه كُلّه)!

تعجب هو فسأل: تسهر تشاهد كل مسلسلات التليفزيون يا رجل ثم تأتينى تترنح كالمخمور.. هل جُنِنْت؟.. صاح الصاحب: المسلسلات فى رمضان يا صديقى هى رمضان.. إنها( لو عَلِمْتَ) ترياق الشفاء من أمراضنا، والخلاص النهائى من مشكلاتنا، وطوق النجاة من قلقنا وقنوطنا.. وفيها النعيم الذى نفتقده على الأرض فنعيشه معها فى الخيال، وفيها خضرة الكومباوند التى لم نعد نشم أريجها بأى حال من الأحوال، وفيها الغنادير الناعمات الكواعب شبيهات الحور العين رمز الجمال.. وفيها .. وفيها.. وفيها..آآآآآه.. فليرحم الله تعالى ويكرم من اخترع لنا المسلسلات.

قال هو: لعلك تقصد الإعلانات وليس المسلسلات؟ .. همس الصاحب هائمًا كالعاشق: كلاهما واحد يا أخى صدِّقني.. فما المسلسلات إلا إعلانات (لحوسوها) بقليل من الدراما.. وفى كليهما خير. أراد هو الاعتراض فعاجله الصاحب زاعقًا: أعرف أنك دائما ما تتحين إقبال رمضان فما تلبث أن تغرق غرقًا فى كتبك (التافهة).. وتعلم أنى كم حذرتك من تلك العادة البطّالة التى باتت

( دقة قديمة) لا فائدة فيها ولا غَنَاء.. لكنك تُقاوح.. أنت حر !

ضحك هو حتى برزت أنيابه وصرخ: سيبك مِنّى أنا يا باشا ومن كتبي.. ودَعْنا نناقش عشقك الجديد هذا.. كيف بِرَبِّكَ تجد فى المسلسلات متعة بينما أراها أنا تطويلًا ومَطًّا وإملالًا؟.. مدّ الصاحب بُوزَه إلى الأمام ودمدم: أنت لا تفهم شيئًا.. أرجوك اسمح لى بالبعض من الوقت أشرح لك فيه فوائد المسلسلات التى لا تُعَدُّ ولا تُحصي.. خُذ عندك؛ إنها أولًا تأخذك من عالمك الضيق الخانق الكئيب هذا فتنقلك إلى عالم فسيح من الغضب الساطع والعنف والعِراك والركلات والصفعات والدم المتفجر فالصرخات التى تقشعر لها الأبدان.. فهل ثَمّة متعة كهذه؟

صاح هو: أعوذ بالله.. أى متعة تلك يا رجل لقوم صائمين جلسوا يفطرون؟.. ما هذه السادية؟ قال الصاحب: يا سيدنا لا تُكبِّر الموضوع.. فأنت تعرف، وأنت تتفرّج، أنه مجرد مسلسل.. يعنى خيال وليس حقيقة.. وبالتالى يحدث لك ما يسمونه (التطهر !).. ثم أرجوك لا تقاطعنى مرة أخرى فالأمر جِدٌّ وليس هزلا. والفائدة الثانية، أن المسلسل ينقل إليك حياة الآخرين التى لم تكن تعرف عنها شيئًا وأنت جالس مع كتبك تحت جهاز التكييف فى برجك العاجي. إنها تأخذك إلى دنيا المساطيل حتى الترنُّح.. والمخمورين حتى التلعثم.. والمغتصبين (أولاد الإيه) الّذين لا يقدر عليهم أحد.. علاوة على الراقصين بالمطاوى والعِصِى والسِّنَج.. وعوالم أخرى كثيرة.. فماذا تريد أكثر من ذلك؟

.. وأمّا الفائدة الثالثة، فهى أنها تُغيِّبُك عن وعيك الكاذب الهائم فى دنيا الخيال والمثاليات وأحلام اليقظة وتقودك إلى الوعى الحقيقى الواقعي؛ وعى العاطلين والكسالى ومدمنى الأونطة والكسب السريع المضمون بلا بذل أى جهد. صَدِّقنى هذا هو الوعى المضبوط فاخرج من عباءة المثقفين الهشة الخائبة التى لا تؤكل خبزًا ولا تسقى ماءً.. كفانا يا هذا مشيا وراء هؤلاء المثقفين الساذجين الواهمين المُحلِّقين فى ضباب الفضيلة الزائفة ودخان القيّم البالية المنقرضة.. هل تفهم ماذا أقول؟ .. صحصح صحصح يا عَمّ الحاج..!

قبل أن يتكلم هو كان الصاحب قد خطف رشفة قِرفة سريعة وأكمل: فإذا ذهبنا إلى الفائدة الرابعة، فهى العزلة المجانية المريحة اللذيذة. قل لي.. ألَسْتَ تنعزل، وأنت تشاهد المسلسل، عن البيت، وطلبات المدام، وصراخ العيال، وضغوط رؤسائك فى العمل، وكوابيس المصاريف والأسعار والفواتير والماء والكهرباء؟.. ألا ترى نفسك وقد حُلَّتْ كل مشكلاتك فركبتَ المرسيدس، وتجولت بها فى شوارع فسيحة ليس بها سواك والهواء المنعش، وبين يديك الحقائب المحشوّة بالملايين وبالذهب والفضة.. وتساقطت عليك من السماوات العُلا الدراهم والدنانير والدولارات؟.. ففيمَ تطمع أكثر من هذا؟

.. ثم إن فى المسلسلات خيرًا عميمًا آخر، وهى أنها تقوّى المناعة فتبعدك عن احتمالات الإصابة بالفيروس اللعين إيّاه. ستسألنى وكيف ذلك؟ فأجيبك: ألا تحقق لنا المسلسلات ذلك التباعد الاجتماعى المنشود فلا نختلط بهذا، ولا نصافح هذه، ولا نحتاج إلى الكمامة أو المطهر أو حتى غسل اليدين بالماء؟ لم يعد هو يحتمل المزيد من تلك الهرتلات ففزَّ قائمًا.. قال الصاحب: على فين؟ .. همس هو: سألحق بالمسلسل !


لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: