رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكايات من دفتر الوطن

فى تاريخ مصر المعاصر شخصيات كثيرة تستحق التوقف عندها، ولأنها شخصيات معاصرة فمن الطبيعى أن تختلف الآراء حولها، لكن الاقتراب منها ومحاورتها مهمة أساسية للصحفيين لتوفير مزيد من المعلومات حول مواقفها المتعددة ولتوثيق ذلك باعتباره جزءا من التاريخ السياسى والثقافى والاجتماعى لمصر.

وفى هذا السياق تبرز أهمية كتابين صدرا مؤخرا يقدمان عبر الحوار والتحليل صورة واضحة عن شخصيات مصرية معاصرة لعبت أدوارا اساسية وبعضها تاريخى، وهى شخصيات أثرت الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، وستظل مثار جدل لسنوات طويلة.

الكتاب الأول يحمل عنوان (شهود على التاريخ للكاتب الصحفى ماهر مقلد مدير تحرير الأهرام، وهو عبارة عن مجموعة حوارات صحفية) جرت قبل عقود من الزمن مع عدد كبير من الشخصيات المهمة، وتم تصنيفها إلى أربع مجموعات تحمل كل منها عنوانا يعكس طبيعة التصنيف: شهود يوليو، الحوارات الشائكة، الحوارات النادرة، حوارات التطبيع، إلى جانب توضيح للظروف والملابسات التى جرى فيها كل حوار.

لكن ما الذى يمكن أن يضيفه كتاب من هذا النوع إلى المكتبة العربية، سؤال مهم يجيب عليه المؤلف بأنه عندما عاد إلى مطالعة هذه الحوارات من جديد وجد نفسه مشدودا إليها من ناحية أنها كانت مع شخصيات نادرة فى التاريخ، لها رصيد من العمل والإنجاز، وكانت إجابات تلك الشخصيات تحمل رؤية متقدمة جدا لجملة المواقف المؤثرة التى نعيش تفاصيلها فى هذا العصر.

الحوارات بالفعل متنوعة وثرية، لكن لفت انتباهى منها عدة حوارات مع السيد سامى شرف مدير مكتب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، فالرجل كان فى قلب الأحداث خلال فترة تاريخية مهمة جدا، وشاهدا على وقائع كثيرة، ولايزال رغم تقدمه فى العمر حاضر الذهن ويمتلك ذاكرة حديدية، ويتابع جميع الصحف ــ وخاصة الأهرام ــ بشكل يومى دقيق، ويعلق أحيانا على بعض ما يكتب بها، وقد سبق لى شخصيا تلقى إيميلات منه تعقيبا على بعض ما كتبت.

ومن الحوارات المهمة فى هذا الكتاب الحوار مع السيد أمين هويدى وهو الوحيد الذى جمع بين منصبى وزير الحربية ورئيس المخابرات العامة فى تاريخ مصر، وقد لفت انتباهى حرصه الشديد على دقة المواعيد، فقد ذهب إليه المؤلف لإجراء الحوار متأخرا عن موعده 15 دقيقة فقط، واستقبله الرجل بالترحاب فى حجرة المكتب بمنزله، وقدمت له مديرة المنزل واجب الضيافة، لكن بمجرد أن بدأ المؤلف فى فتح حقيبته الصغيرة لإخراج جهاز الكاسيت لبدء تسجيل الحوار، اعتذر هويدى عن عدم استعداده للحوار، لأن المؤلف حضر متأخرا عن موعده، وعرض أن يجلسا معا لساعتين دون عمل، وعندما أبدى المؤلف دهشته، شدد هويدى على أنه يقدس المواعيد ولا يتهاون فيها أبدا، وقال:عندما كنت وزيرا لشئون مجلس الوزراء تعرضت زوجة يوسف السباعى لأزمة صحية فحرصت وزوجتى على مساندتهما معنويا والوقوف إلى جوارهما حتى مرت الأزمة، فهاتفنى بعدها يوسف السباعى وأخبرنى بأنه يود زيارتى بصحبة زوجته فى المنزل، فرحبت على الفور وحددت لهما موعدا فى السادسة من مساء اليوم التالى، وانتظرتهما فى منزلى حتى السادسة وعشرين دقيقة، بعده اصطحبت زوجتى وغادرنا المنزل، وفى الصباح طلبنى يوسف السباعى وهو يتردد فى الحديث عن السبب فى عدم وجودى بالمنزل عندما حضر، واعتقد أن ظرفا طارئا حال بيننا ويريد أن يطمئن، فقلت له الحمد لله نحن بخير وانتظرتك حسب الموعد وسألته متى حضرت؟ فقال السادسة والنصف.. ولم نتعاتب ومر الموقف.

الكتاب الثانى هو حكايات من دفتر صلاح عيسى للكاتبة الصحفية بالأهرام الاستاذة هاجر صلاح والاستاذ محمد الشماع، والحقيقة أن الحديث عن صلاح عيسى ليس بالأمر السهل، فهو ــ من وجهة نظرى ــ يمثل حالة خاصة فى الصحافة العربية، وموهبة نادرة قد تتفق أو تختلف مع مواقف صاحبها السياسية، لكن لا تملك إلا الاعتراف بموهبته وإبداعه، وأعتقد أن دراسة صلاح عيسى للخدمة الاجتماعية وغرامه بالتاريخ شكلا معا منهجه فى الكتابة، وقد ظهر ذلك فى معالجته لقضية ريا وسكينة التى تناولها كتاب كثر، لكنه كان حريصا فى كتابة رجال حول ريا وسكينة على دراسة السياق التاريخى والبيئة الاجتماعية التى أفرزت ظاهرة ريا وسكينة، وهو ما جرى فى كتب أخرى قد تبدو غريبة أحيانا مثل مذكرات فتوة الذى قام بتحقيقه، ودستور فى صندوق القمامة، وحكايات من دفتر الوطن وغيرها من إنتاجه الغزير.

لكن ما أدهشنى فى كتاب الزميلة العزيزة هاجر صلاح هى المقدمة التى كتبها الدكتور عبد المنعم سعيد، فالاثنان (سعيد وعيسى) يبدوان على طرفى نقيض فى الحياة السياسية والثقافية المصرية، لذلك يبدو غريبا أن يكتب أحدهما مقدمة كتاب عن الآخر، وهو نفس التساؤل الذى طرحه د.عبد المنعم سعيد على الاستاذة هاجر عندما طلبت منه كتابة المقدمة، فقال لها: لماذا كان اختيارى للقيام بهذه المهمة؟ فأنا لست من الجماعة اليسارية فى مصر، وكذلك لم تكن لى صداقة خاصة مع الرجل الذى احترمته دوما، ولا اذكر اننا شربنا فنجان قهوة معا.

وردت الاستاذة هاجر بأن صلاح عيسى كان يقدره ويجله جدا، وقد لمست ذلك فى أحاديث شخصية معه، وأن ما كتبه د. سعيد فى مقاله بالأهرام بعد وفاة عيسى كان من أفضل ما كتب عن الرجل، وأن عدم الانتماء للجماعة اليسارية هو السبب الرئيسى فى رغبتنا أن يكون د.عبد المنعم سعيد من يقدم الكتاب.

والحقيقة أن كتاب حكايات من دفتر صلاح عيسى أكبر من أن يكون سيرة ذاتية لشخصية فريدة، ولكنه توثيق لمرحلة مهمة من تاريخ مصر تجسدت فى رجل جمع بين المقريزى والجبرتى والرافعى وهيكل والأخوين أمين فى شخصية واحدة، جعلت الجميع يودعونه عندما رحل عنا بجملته الأثيرة مع السلامة ياجميل.


لمزيد من مقالات فتحى محمود

رابط دائم: