رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المجر و«خلافاتها التاريخية» مع أوكرانيا

رسالة بودابست د. سامى عمارة
صراع تاريخى بين المجر وأوكرانيا

الخلافات المجرية الأوكرانية ليست وليدة اليوم. فهى قديمة قِدَم جغرافية البلدين المتجاورين وإن اختلفت حدودهما بقدر اختلاف الظروف التاريخية والسياسية، وما ماجت به المنطقة من تغيرات وأحداث. وبعد ما استقرت علاقات البلدين المتجاورين، المجر وأوكرانيا، على وقع قبول كل منهما واقع ما بعد انتهاء الحربين العالميتين الأولى والثانية وتغير حدودهما، عادت الأوضاع فى المنطقة إلى سابق عهدها من الاضطرابات والصراعات التى اتسمت وتتسم فى معظمها بطابع قومي.

وشهدت الفترة القريبة الماضية عددا من الخلافات التى نجمت عما وصفه الجانب الأوكرانى بتدخل المجر فى الانتخابات الأوكرانية، وما اتهم به الجانب المجرى نظيره الأوكرانى بمداهمة أجهزته الأمنية لمقار «جمعية الثقافة المجرية» فيما وراء الكاربات وما جاورها، إلى جانب الحملة الأمنية التى استهدفت مسكن فاسيلى برينزوفيتش زعيم حزب «المجريين فى أوكرانيا» فى نهاية العام الماضي. وكانت الأجهزة الأمنية الأوكرانية اتهمت المجريين بترويج فكرة «إنشاء كيان مجرى عرقى مستقل» يستهدف ضم الأراضى التى تعيش فيها الأقليات المجرية، فى إطار استعادة «المجر الكبرى» التى كانت تضم تاريخيا الكثير من الأراضى الموجودة الآن ضمن أراضى أوكرانيا وبولندا وتشيكيا ورومانيا. أما عن أسباب مداهمة مقار «جمعية الثقافة المجرية» فعزتها الأجهزة الأمنية الأوكرانية إلى ضرورة الرغبة فى التحقق من معلومات تقول بتورط جهات أجنبية فى تمويل نشاط هذه الجمعية، بهدف النيل من سيادة دولة أوكرانيا. وقالت المصادر الأوكرانية، إنها عثرت على دليل على ما تطرحه من اتهامات، على مطبوعات تروج لفكرة استعادة «المجر الكبرى». وذلك ما تنفيه السلطات المجرية، إلى جانب ما أصدرته مجموعة نواب البرلمان الأوروبى عن الأحزاب المجرية من بيان، أن السلطات الأوكرانية خلقت ما هو أشبه بأجواء الحرب الأهلية فى مناطق ما وراء الكاربات، مؤكدة أن مثل هذه التصرفات من جانب دولة تعلق الكثير من آمالها على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لا تتسق مع معايير وتوجهات هذا الاتحاد.    

لكن ماذا عن حقائق الأمور بهذا الصدد وما هى وجهة نظر الجانب المجري؟ 

لعل المتابع للسياسات الأوكرانية منذ الإطاحة بالرئيس الاوكرانى الأسبق فيكتور يانوكوفيتش فى فبراير 2014، يلمس جنوح السلطات الأوكرانية إلى تكريس حقوق الأغلبية الأوكرانية بكل رموزها التاريخية، خصما من تاريخ ووضعية الأقليات القومية فى مختلف أرجاء الجمهورية. وكانت كييف الرسمية أعلنت عن إقرار قانون إعلاء اللغة الأوكرانية وفرضها على الأقليات فى أماكن تجمعاتها، وهو ما كان ولا يزال ضمن أسباب انفجار الموقف فى مناطق جنوب شرق أوكرانيا، التى أعلنت عن انفصالها عن أوكرانيا من جانب واحد. وكانت المناطق الواقعة فى غربى أوكرانيا شهدت تطورات مماثلة تسببت فى تذمر الأقليات المجرية والبولندية وغيرها من القوميات، ورفضها ما تحاول السلطات الأوكرانية فرضه على هذه الأقليات، من قوانين تنال من حريات الأقليات فى مجالات التعليم واللغة والثقافة والتواصل مع الوطن الأم.

 ونذكر أننا سبق وأشرنا فى أكثر من تقرير من بودابست، إلى احتجاجات السلطات المجرية ضد الكثير من القوانين الصادرة بشأن التعليم واللغة فى غربى أوكرانيا، وهى القوانين التى وصفها الجانب المجرى بـ «شبه الفاشية». بل وبلغ الأمر بأوكرانيا حد طرد القنصل المجرى فى مقاطعة ما وراء الكاربات، بسبب ما وصفته تجاوز القوانين الأوكرانية ومنح الاوكرانيين من أصول مجرية لجوازات سفر مجرية، وهو ما ردت عليه بودابست بالمثل، حيث أصدرت قرارها بطرد القنصل الاوكرانى فى المجر. وكان بيتر سيارتو وزير الخارجية المجرية أعلن آنذاك، عن أن بلاده لن تسمح لكييف بالحصول على عضوية الناتو ما لم تتحسن «الأوضاع الخاصة بالأقليات القومية»، بما يعنى ضمنا احتمالات تصويت المجر ضد أى قرار حول انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

ومن اللافت فى هذا الشأن، أن المجر تظل عند موقفها من ضرورة الذود عن حقوق ومصالح كل من تصفهم القيادة المجرية بضحايا معاهدة تريانون من المقيمين فى البلدان المجرية، على أراض جرى استقطاعها من أراضى «المجر الكبرى»، بموجب هذه المعاهدة التى جرى توقيعها في بهو قصر تريانون الكبير فى «فرساي» فى ضواحى باريس، فى الرابع من يونيو عام 1920. ويتذكر المجريون بالكثير من الأسى والأسف، ما نصت عليه هذه المعاهدة من قيود فى أعقاب إنهاء وجود امبراطورية النمسا والمجر، كواحدة من أهم نتائج الحرب العالمية الأولي، وما نجم عن ذلك من ظهور بلدان جديدة على غرار سلوفاكيا، وكرواتيا فى يوغوسلافيا السابقة، وترانسلفانيا التى جرى ضمها إلى رومانيا، وهى البلدان التى قامت على أراض مجرية، إلى جانب ما جرى اقتطاعه من أراضٍ فى شرق المجر لضمها إلى أوكرانيا المجاورة. أما عن الخلافات المجرية الأوكرانية القديمة فتعود إلى نهايات القرن التاسع عشر، وما كانت عليه الأوضاع الجيوسياسية للمنطقة فى ذلك التاريخ، وما ارتبطت به أراضى مناطق ماوراء الكاربات بخريطة «المجر الكبرى»، وكذلك بما تلا ذلك من أحداث فى مطلع القرن العشرين. وكانت هذه المناطق تمتعت بحكم ذاتي، تحت اشراف وحماية السلطات السوفيتية بعد ثورة أكتوبر 1917، وما جرى تسميته بـ «الانقلاب الشيوعى فى المجر» فى مارس عام 1919. كما شهدت مناطق ما وراء الكاربات أوضاعا مشابهة لما شهدته شبه جزيرة القرم مع آخر سنوات الاتحاد السوفيتى السابق، حيث أعلن سكان هذه المناطق تبنيهم لإجراء استفتاء شعبي، يقر مطالبهم بإعلان الحكم الذاتي، وهو ما اعترفت به السلطات الرسمية فى كييف، وإن أغفلت العمل بنتائجه التى كانت تقول بتأييد الأغلبية من سكان هذه المناطق، لفكرة الحكم الذاتي. وتقول الأدبيات الصادرة حول هذه القضية، أن هذه المنطقة ضاعت ضحية التقلبات الإدارية والسياسية التى طالما تغيرت توجهاتها، بقدر تغير بنية وأيديولوجية السلطة المركزية فى كييف. ومن هنا وقعت مناطق ما وراء الكاربات فريسة التجاذبات السياسية ونشاط الاوليجاركيا الأوكرانية، التى استطاعت تحقيق الكثير من المكاسب الاقتصادية خصما من رصيد وحساب الثروات الطبيعية فى تلك المناطق، مقابل غض الطرف عن «وضعيتها الدستورية»، ونشاط الأقليات من مواطنيها. لكن ذلك كله لم ينف أو يدحض حقوق الأقليات المجرية التى يبلغ تعدادها ما يزيد على 150 الفا وهى ما يعادل نسبة 12% من سكان ما وراء الكاربات، وتظل وبدعم من السلطات المجرية فى بودابست تتمسك بحقوقها التاريخية ورموزها القومية وارتباطاتها بالوطن الأم، وهو ما لا تريد السلطات الأوكرانية الجديدة الاعتراف به. وننقل عن بيتر سيارتو وزير الخارجية المجرية، ما قاله حول أن بلاده تتمسك بالحقوق السابقة للمجريين فى أوكرانيا، والتى تتعلق بالدراسة باللغة الأم وباستخدامها فى المؤسسات الرسمية وقطاع الخدمات. وأضاف سيارتو، أن المجر يمكن أن تستجيب بعد ذلك فقط لرفع حق النقض فى المجلس الاستشارى لأوكرانيا والناتو.

ومن الملاحظ أن ما ترصده السلطات المجرية من تجاوزات من جانب السلطات الأوكرانية فى حق الأقليات المجرية، هى ذات الملاحظات التى تطرحها موسكو دفاعا عن حقوق الأقليات الروسية والناطقة بالروسية سواء فى جنوب شرق أوكرانيا أو فى بقية أرجاء الجمهورية الأوكرانية، وهو ما يلقى شجب وإدانة السلطات الرسمية والشعبية فى روسيا الاتحادية، وما يظل فى صدارة أسباب الخلافات الروسية الأوكرانية. ومن المفارقات التى يتوقف عندها الكثيرون من المراقبين، وجود مساحات واسعة من الاتفاق تجمع بين البلدين روسيا والمجر، فى مواقفهما تجاه حقوق الأقليات، فى الوقت الذى تنضم فيه إليهما بولندا، رغم كل التناقضات القائمة بين موسكو ووارسو، وما يكاد يصل إلى حد المواجهة بين البلدين وهو ما تمثل خلال الأيام القليلة الماضية، فى إعلان بولندا عن طرد عدد من الدبلوماسيين الروس تضامنا من جانبها مع تشيكيا فى الأزمة الدبلوماسية الراهنة مع روسيا، وهو ما ردت عليه موسكو بطرد خمسة دبلوماسيين بولنديين، فى إطار ما يسمى اليوم «بحرب الطرد الدبلوماسى» المتبادل والتى اتخرطت فيها بلدان البلطيق وعدد من بلدان شرق أوروبا، فى أعقاب إعلان الرئيس الأمريكى جو بايدن، عن عقوباته ضد روسيا الاتحادية. 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق