رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أشاد بها نزار قبانى وكتبت عنها فيلسوفة فرنسـية
عالية ممدوح.. سردية التمزق العراقى

د. رضا عطية;

تحتل الكاتبة العراقية عالية ممدوح موقعًا بارزًا في صدارة كتُّاب الرواية والسرد العراقي والعربي في العقود الأربعة الأخيرة، قدَّمها وأشاد بها نزار قباني بعد مجموعتها القصصية الثانية، هوامش إلى السيدة ب، ولاقت ثاني رواياتها، حبات النفتالين، التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في سلسلة مختارت فصول، عام 1986، رواجًا كبيرًا كرَّس لحضورها ككاتبة مهمة للرواية العربية، كما كتبت الفيلسوفة الفرنسية الشهيرة هيلين سيكسو مقالاً عنها.


حملت كتابات عالية ممدوح سيرة الذات الجمعية العراقية في اغتراباتها سواء في العراق أو في الخارج في المهاجر والمنافي الغربية. كما عبَّر سردها عن التمرُّد النسوي إزاء مجتمع صعب وحاد، كالمجتمع العراقي، في مواقفه ليس فقط من المرأة ولكن في تجاذباته السياسية وتحولاته الهادرة. فتمثَّل عالية لاستبداد الخوف جراء التاريخ العراقي الحديث والمعاصر الحافل بالقمع والدموية، بالشخصية العراقية: (ثمار الخوف كنّا نقطفها ونخشى إذا بقيت طويلا فوق الشجرة أن تتعفّن). يسفر التصوير عن تربية الذوات على «الخوف» وتناميه وتكاثره، ويقترن التصوير بتعبير مبطن بالسخرية الممزوجة بالمرار ربما يعكس شعور الذات بتمكّن الخوف منها وعدم استطاعتها التخلُّص منه.

ظلت عالية ممدوح تكتوي بنار وطنها حتى في ابتعادها عنه حاملة همومه: (قبل الاحتلال الأمريكى للعراق، كنت أمزح مع نفسي وأقول: كم نحن بحاجة إلى سقراط عراقي يتمشّى في الأسواق والشوارع، يسير هائمًا حول دجلة ويَهدي الناس، ويتحدّث عن منافع السمّ حين لا يكون هناك إلا هذا الخيار. بعد العام 2003 صار السمّ هو الترياق الوحيد(.إذا كانت الذات ناقمة على حال وطنها قبل الاحتلال وترى احتياجه لعمل «سقراطي» يستنهض الناس ويفيقهم من غفوتهم، ويُشعرهم بلاجدوى الحياة التي يعيشونها على نحو لا يليق، فإنّ وقوع الوطن تحت الاحتلال قد جعل الموت، بحسب ما ترى الذات، هو الحل الوحيد، في طيغان عارم لمشاعر القنوط واستبداد اليأس وفقدان الرجاء باستعادة الوطن بعد ضياعه.

استطاعت عالية ممدوح بوعي المثقف الخبير الإفادة من تجربتها في المكان الآخر في إدارك جوهر التمايزات الفكرية والاختلافات الثقافية العميقة بين الغرب والشرق، فلا يقتصر التمايز بين الشرق والغرب على مجرد توخي التدقيق في تسجيل الوقائع وتدوين الماضي وإنّما يشمل فيما ترصده الذات، في كتابها، الأجنبية، المستقبلَ، كما في حديث الذات الساردة إلى معلمتها الفرنسية للغة/ الآخر: (-لديكم صيغتان لفعل المستقبل، البسيط والقريب. وأنا أغار منهما فعلاً. ففي بلدي لا نملك إلا حرفًا واحدًا هو حرف السين. ما إن نضعه في أول الفعل حتى ندخل مرتبة المستقبل. الغد عندكم وافر جدًا، على العكس عندنا فهو أحيانًا لا وجود له.

(....) منذ عقود والغد في بلدي ملاحق. تمامًا، هو مجرّد حرف ويجوز دائمًا سحقه وإيقاف العمل به. منذ الحظر الدولي على العراق وصولاً إلى الاحتلال الأمريكي وإلى يومنا هذا قد عُزِلَ هذا الفعل عن باقي الشعب ولم يُعوَّض عنه أيضًا حتى بفعل مضارع مشكوك في أمره. فتمّ التنكيل بالغد تمامًا وقبل الحلم به حدث وصار الترويع عيدًا وطنيًّا، فبقى الكثير منّا، يختلون ببلدهم سرًا). يتبدى- هنا- أنّ للذات الساردة وعيًّا على نحو كبير بما تُمثِّله اللغة بوصفها أداة للتعبير عن الفكر من وسيلة اتصال تشف عن الوعي الجمعي للشعوب والأمم؛ فتلتفت الذات الساردة إلى أنّ ثمة فارقًا كبيرًا في الأداءات اللغوية وقواعد اللغة في التعبير عن المستقبل بين لغة المكان الآخر/ الغرب/ لاسيما اللغة الفرنسية ولغة المكان الأول/ الشرق/ اللغة العربية، من حيث عناية الآخر/ الغرب/ اللغة الفرنسية بالمستقبل والتمثيل له والتعبير عنه في لغتهم بتخصيص صيغتين له (البسيط والقريب) في مقابل ما تلمح إليه الذات من استسهال لغة مكانها الأول/ الشرق/ اللغة العربية في لغتها حين تعبر عن المستقبل وعدم العناية الكافية به أو التدقيق في تقسيمه، وهو ما يفضي لشعور الذات بضياع المستقبل في بلادها في حين وفرته في الغرب/ المكان الآخر. وعلى نحو آخر تبرز الذات عن دور الإمبريالية الجديدة وفعل الاستعمار الجديد المتمثل في الاحتلال الأمريكي للعراق في ملاحقة زمن «المستقبل» في بلادها إلى حد يداني تجميده.

وقد يتقاطع «المكان الآخر» الذي تعيش فيه الذات باعتباره موضوعًا مع السرد والكتابة باعتبارها أداة للذات المبدعة «المؤلِّف» وباعتبارها موضوعًا للسرد نفسه، كما في نص الأجنبية: (صحيح أنّني أكتب بالعربية وأغرم بالعربية وأعاشر بها أيضًا. وأنا أحضِّر شخصيات رواياتي وتصرفاتها ولا أبدّدها سدى. باريس برحابتها وعالميّتها تدفعني للاشتغال على تدريب كائنات رواياتي على فعل الحريّة. فكلّ ما في هذه المدينة يأخذني للحريّة فأُغرِق بها رجالي ونسائي العصاميّات الكادحات اللواتي جرّبتُ فيهنّ الكثير من الخطوات والتجارب، وعلّمتهنّ كيف يُخرجنّ ألسنتهن للعالم ويمشين في طريق الحرية بدون تردّد حتى لو أخذ بعضهنّ للقتل أو الخسارة أو الجنون. أو أتركهنّ يتحدثن اللغات الأجنبية وبطلاقة. فلم تفقد إحداهن رشدها كما حصل معي. فبعضهنّ أشدّ جسارة وأقل خوفًا من المؤلفة). تتبدى هنا لعبة الخطاب السردي بين المؤلفة والمؤلفة الضمنية من ناحية، وبين المؤلفة والمتلقي من ناحية أخرى، حيث تنزع المؤلفة الضمنية قناع التخفي أو بالأحرى قناع الإيهام التخييلي لتسفر عن وجه المؤلفة الحقيقية، ويكون للمكان الآخر، كموضوع، دور كبير في ذلك؛ إذ تعلن المؤلفة الفعلية التي تتولى، هنا، في هذا المقطع، عملية البث السردي، أنّ للمكان الآخر أثرًا بالغًا في منح الكاتبة لشخصياتها الروائية قدرًا كبيرًا من الحرية. فتكشف الساردة/ المؤلفة عن فعل المكان الآخر في إستراتيجية التأليف والصناعة السردية بأنّ ما عاينته الذات في مكانها الآخر من «حرية»، وما تشربته من جرعات الحرية هذه قد انعكس على شخصيات رواياتها، التي منحتهن قدرًا كبيرًا من الحرية، وكأنّ الذات المبدعة/ المؤلفة الحقيقية التي جلست على مقعد المؤلف الضمني تمارس عبر كتابتها عملًا تعويضًيا تستكمل عبره ما ينقصها أو تحس باحتياجها له في الواقع.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق