رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المجر واتساع هوة الخلافات مع الاتحاد الأوروبى

د. سامى عمارة
لقاء سابق جمع بين الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ورئيس وزراء المجر فيكتور أوربان

الوصول براً كان أو جواً، إلى المجر محفوف بكثير من القيود والمحظورات التى قد تبدو قريبة فى كثير من جوانبها ومظاهرها، من مثيلاتها فى البلدان المجاورة، ولاسيما سلوفاكيا وتشيكيا والنمسا وألمانيا، وذلك فى الوقت الذى يظل فيه وباء «كورونا» يحدد كثيرا من ملامح حياة وسياسات العاصمة المجرية «بودابست» وما جاورها من عواصم، وفيما تتبدى ملامح استجابة الحكومة المجرية بشأن التخفيف من هذه القيود التى جثمت فوق أنفاس وصدور الملايين من أبنائها ومحبيها وزوارها ونالت من حريتهم وتحركاتهم، خرج كثير من الأطباء فى بودابست لإعلان انتقاداتهم لهذه التوجهات، نظرا، لتزايد أعداد الوفيات إلى أرقام غير مسبوقة، ـ حسب المصادر ـ تجاوزت الـ 22 ألفا، فضلا عن الارتفاع المطرد فى أعداد المصابين.

 

وكانت نقابة الأطباء المجرية قد أشارت إلى أن قرار رفع القيود جرى اتخاذه «مبكرًا للغاية».

ومن جانبهم ناشد أطباء المجر المواطنين، توخى الحذر وتجنب الأماكن العامة، على الرغم من «الشعور الزائف بالأمن» الناجم عن قرار الحكومة بتخفيف القيود المفروضة.

وكانت وكالة أنباء «نوفوستى» الروسية نقلت عن بعض الأطباء قولهم: «إن استخدام أرقام وأعداد من جرى تلقيهم التطعيم دليل لتبرير قرار «انفتاح البلاد»، ليس «سوى إستراتيجية خاطئة يمكن أن تؤدى إلى طفرة جديدة فى عدد الوفيات».

وكانت الحكومة المجرية عزت نواياها بهذا الشأن، إلى ما تتخذه من قرارات حول اتساع نطاق حملات التطعيم التى بلغت أيضا رقما قياسيا لا نظير له فى البلدان المجاورة، بما يزيد على 30% من عدد السكان.

كانت الحكومة المجرية قررت استخدام كل أنواع اللقاحات المتوافرة، بما فيها «سبوتنيك-V» الروسي، الذى يحاصره الاتحاد الأوروبى، ويحظر استخدامه فى كثير من بلدانه، ومن المعروف أن المجر كانت أولى الدول الأوروبية التى اعتمدت اللقاح الروسى وبدأت بالفعل استخدامه على نطاق واسع وهو ما لم يلق أى شكاوى أو انتقادات تُذكر من جانب من تلقونه، وكان ذلك من أسباب ما صدر من تصريحات رسمية عن العديد من حكومات البلدان المجاورة ومنها النمسا وألمانيا وتشيكيا، للقبول بالتطعيم به، وحتى سلوفاكيا التى عادت وتراجعت عنه لأسباب سياسية داخلية.

وكان الجدل قد احتدم فى سلوفاكيا، التى كانت ثانى الدول الأوروبية التى اشترت هذا اللقاح بعد المجر، وبلغت حدته ما تجاوز مجرد الانقسام فى بيت الائتلاف الحكومى الذى يتشكل هناك من أربعة أحزاب، فقد أثار قرار رئيس الحكومة ايجور ماتوفيتش حول شراء «سبوتنيك-V»، حفيظة الكثيرين من أعضاء الحكومة ومنهم من بلغ حد التهديد بالاستقالة، مثل فيرونيكا ريميشوفا نائبة رئيس الحكومة وزعيمة حزب «من أجل الشعب» التى قدمت بالفعل استقالتها من هذه الحكومة.

ودعا ريخارد سوليك وزير الاقتصاد، وزعيم حزب «الحرية والتضامن» (الليبرالى التوجهات)، رئيسة الجمهورية زوزانا تشابوتوفا إلى إقالة الحكومة، وإجراء تعديل وزارى، ومضى إيفان كورتشوك وزير الخارجية إلى ما هو أبعد من ذلك، حين أعلن انه يعتبر اللقاح الروسى «أداة فى الحرب الهجينة» التى تخوضها روسيا ضد الدول الغربية، وهو ما أثار انتقاد واحتجاج السلطات الروسية فى موسكو.

وكان الضغط قد بلغ حد إرغام وزير الصحة كراجتشي إلى تقديم استقالته، وهو ما وصفه رئيس الحكومة السلوفاكية بأنه «من أبشع الأمور»، وعمل «لا إنسانى ولا أخلاقى»، مشيرا إلى أن الوزير المستقيل راح ضحية « طقوس الخلافات» فى الائتلاف الحاكم. ولم يمض سوى وقت قليل حتى رضخ رئيس الحكومة نفسه لمطالب زملائه، وتقدم باستقالته إلى رئيسة الجمهورية تشابوتوفا، التى قبلتها ورشحت ادوارد هيجر وزير المالية فى الحكومة السابقة لتشكيل الحكومة الجديدة.

أما عن «سبوتنيك V»، فقد أقرت الحكومة التوجه إلى نظيرتها المجرية بطلب قبول اختبار نماذج مما حصلت عليه من كميات لاختبارها فى معامل التحليل المجرية المعروفة بدقتها فى هذا الصدد، وأعلن بيتر سيارتو نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية والتجارة الخارجية بعد المشاورات بين الحكومتين المجرية والسلوفاكية عن قبول بلاده الاضطلاع بهذه المهمة. وتقول المصادر السلوفاكية، إن فلاديمير لينجفارسكى وزير الصحة أعلن أن بلاده اعدت العينات المقرر إرسالها إلى المجر لاختبارها خلال الأيام القليلة المقبلة، فى الوقت الذى وعد فيه برفع السرية عن تفاصيل المباحثات التى جرت مع صندوق الاستثمارات الروسية حول صفقة توريد لقاح «سبوتنيك-V» أشار إلى أن ذلك يتطلب موافقة ما وصفه بـ «الجانب الأخر» ! ونقلا عن المصادر الروسية، فإن «صندوق الاستثمار المباشر الروسي (RDIF)، طالب مجلس الوزراء السلوفاكى الأسبوع الماضى إعادة الدفعة الأولى من لقاح «سبوتنيك-V» الذى تم تسليمه إلى سلوفاكيا فى مطلع مارس الماضى بسبب انتهاكات عديدة للعقد».

وأضافت أن صندوق الاستثمارات الروسية «يعتبر تصرفات الخبراء من معهد براتيسلافا لمكافحة المخدرات (GICL) بسلوفاكيا بمثابة عمل تخريبى، لانه أجرى اختبارات على «سبوتنيك-V»، فى مختبر ليس جزءًا من شبكة مختبرات مراقبة المخدرات الرسمية فى الاتحاد الأوروبى، على الرغم من توفر مثل هذه المختبرات».

وكانت المجر قد توقفت طويلا خلال الأيام القليلة الماضية عند اتصالات حكومتها لمواجهة ما قد يسهم فى تزايد الضغوط التى تتعرض لها من جانب الاتحاد الأوروبى، وإلى جانب ما سبق وأشرنا إليه فى أكثر من تقرير من بودابست، حول رفض الاتحاد الأوروبى لما قامت به الحكومة المجرية من اعتماد لقاح «سبوتنيك-V» الروسى، رغم معارضة الاتحاد، وإدانته لسياسات رفض القرارات الأوروبية حول «الهجرة غير الشرعية»، وبناء الجدار العازل على حدودها مع بعض البلدان المجاورة، تقف بودابست اليوم فى مواجهة الاتهامات التى تتناثر فى حقها بشأن تحالف حزبها الحاكم مع اثنين من الأحزاب البولندية والإيطالية، ومن اللافت أن هذه الاتهامات تبلغ حد اعتبار هذه الأحزاب الثلاثة موالية لبوتين، وتصفها بأنها «طابور خامس» يعمل لمصلحة الكرملين.

وثمة من وصف هذه الاتهامات بأنها من «دعابات أول أبريل» التى طالما تنتشر فى مطلع مثل هذا الشهر مع كل عام، فلا أحد يمكن أن يصدق أنه وفى الوقت الذى تتعالى فيه الاتهامات من جانب الدوائر الغربية لبوتين بأنه يواصل حشد قواته على الحدود المتاخمة لأوكرانيا، فى توقيت يشهد ايفاد الولايات المتحدة لبعض قواتها العسكرية لتعزيز ودعم القوات المسلحة الأوكرانية، تقوم أحزاب أوروبية ومنها بولندية بتشكيل تحالفات يصفونها بأنها «موالية لبوتين»!

من هم أولئك الذين يتهمونهم بالولاء للرئيس الروسى فلاديمير بوتين ولماذا؟

إنهم فيكتور اوربان زعيم حزب «فيديس» اليمينى الحاكم ورئيس وزراء المجر، وماثيو سالفينى زعيم حزب «ليجا» (الرابطة الشمالية) والنائب السابق لرئيس الوزراء الإيطالى، وماتيوش مورافيتسكى رئيس الوزراء البولندى الذين اجتمعوا فى ضيافة أوربان فى بودابست، للاتفاق حول مواجهة ما وصفوها بضغوط الاتحاد الأوروبى وعدم توافق كثير من سياساته مع توجهات بلدانهم، إلى جانب مناقشة مدى إمكانية تشكيل «كتلة نيابة جديدة فى البرلمان الأوروبى» تعبر عن توجهاتهم المعارضة لسياسات هذا الاتحاد الذى أعلنت حكومات بلدانهم عن عدم الاتفاق معه فى بعض القضايا، ومنها الموقف من الهجرة غير الشرعية، ومواجهة وباء كورونا، وغير ذلك من المسائل الخلافية.

وكان أوربان قد أعلن فى أعقاب اللقاء «الثلاثى»، أنه يسعى جاهدا إلى استعادة عهد النهضة الأوروبية، فيما قال سالفينى إنه يريد «إعادة عظمة أوروبا مرة أخرى من خلال قيمها التقليدية الوطنية الأصلية». وذلك ما وجد معارضة كثيرين من ممثلى الليبرالية الغربية، وما يبدو سببا فى اتهامهم، بالولاء لتوجهات بوتين وسياساته، ومن اللافت أن هناك من سبق واتهم أوربان اليمينى بالتقارب مع الرئيس بوتين الذى دعاه إلى زيارة بودابست أكثر من مرة، ردا على الكثير من الزيارات التى قام بها إلى موسكو، فيما كان الجانبان وقعا العديد من اتفاقيات التعاون التجارى والاقتصادى بما فى ذلك فى مجال الطاقة، إلى جانب ما جرى توقيعه أخيرا من اتفاق حول توريد لقاح «سبوتنيك-V» إلى المجر، ورغم التقارب فى معظم مفردات اللقاء، فإن الأمر لا يخلو من بعض التناقضات، ومنها ذلك العداء الواضح بين الجانب البولندى مع روسيا التى ترتبط بدورها مع المجر بعلاقات صداقة وتعاون تقترب من علاقات سالفينى الإيطالى مع الرئيس الروسى بوتين.

وهناك أيضا التوافق بين ممثلى الأحزاب الثلاثة الذى يقترب من مواقف بوتين الرافضة لسياسات ممثلى النخبة الأوروبية الحالية، ممن يعتبرون بوتين ديكتاتورا وعدوا للديمقراطية، وهى كلها أحكام فضفاضة تحتمل كل التأويلات، تتناثر حول كثيرين سواء كان ذلك فى روسيا أو فى بعض بلدان الاتحاد الأوروبى من ممثلى البلدان السابقة لما كان يسمى بـ «الكتلة الشرقية».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق