رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معارك لا تنتهى

منذ أيام قليلة قرأت رواية لأديب شاب لم تلق إعجابى.. تعثرت فى متابعتها.. كنت أعيد قراءة الفقرة أكثر من مرة لعلى أفهم ما يريد قوله هذا الأديب الشاب.. تساءلت بينى وبين نفسى كيف استطاعت هذه الرواية أن تلقى نجاحاً وهى بعيدة كل البعد عن الجوانب الأدبية المعروفة التى اعتدنا عليها؟ هل الخطأ منى أم من الكاتب؟

هذا التساؤل فتح أمامى بابا من التأملات وربما أيضا منحنى فرصة لإعادة النظر والتفكير والحكم على هذه النوعية من الكتابة الجديدة والمختلفة التى لم أعتدها..

عبر تاريخ الأدب نشبت معارك كثيرة بين القديم والجديد.. ربما حركت هذه المعارك المياه الراكدة فى الحقل الأدبي..فالأدباء المكرسون لديهم مكانتهم العظيمة..وكل أديب لديه أسلوبه الخاص المتميز فى الإبداع..ولديه أيضا - وهذا هو الأهم- جمهور هائل من المعجبين والمتابعين.. ولكن فى النهاية توجد معايير متفق عليها للرواية والقصيدة والمسرحية وعلى المبدع الالتزام بها كى يحظى عمله باعتراف الوسط الأدبى..هكذا كان الأدباء الكلاسيكيون يتربعون فى اطمئنان على عرش الأدب والإبداع.. فمن ذا الذى يجرؤ على الاعتراض على هرم من أهرام الإبداع الأدبي؟

ومع ذلك كانت المعارك الأدبية تأتى لتحرك المياه الراكدة وتجعلها جارية تفيض بالحيوية، وتطرح معها مفاجآت ودهشات وتساؤلات.. أطراف هذه المعارك هم: الأدباء الكلاسيكيون والشبان والجمهور نفسه.. لم تكن هذه المعارك تحدث فى مجال الأدب وحده، بل كانت فى جميع مجالات الإبداع: موسيقى..فن تشكيلى.. سينما.. إلخ.

المبدعون الشباب ثائرون على الأنماط الكلاسيكية السائدة المعروفة التى تحظى بإعجاب القراء والجمهور..ولكن ألم يحن الوقت لتغييرها والتمرد عليها؟ إلى متى تظل أبدية؟ وإلى متى يصدرالابداع الأدبى دائما على المنوال نفسه؟ألا يدعو هذا الأمر إلى السأم والملل؟ هكذا يطرحون تساؤلاتهم فى جرأة وتحد..

تنوعت مدارس الرواية بين الطبيعية والواقعية والوجدانية فضلاً عن مدرسة تيار الوعى.. تعمل جميعها فى إطار مجموعة معايير متفق عليها فى السرد الروائي.. كانت هذه التيارات تعيش معا جنباً إلى جنب.. لا توجد أى نية لإقصاء تيار لآخر.. فى بداية سنوات الستينيات.. ظهرت موجة الرواية الجديدة وأثارت من خلفها الدهشة والإعجاب معاً.. هذه طريقة جديدة تماماً فى الكتابة.. تعتمد على الجمل القصيرة التليغرافية.. لا مجال هنا للاستعارات والتشبيهات.. الرواية مكتوبة على شكل فقرات قصيرة خالية من الزخارف التى اعتاد أن يسهب فيها الأدباء الكلاسيكيون.. لا يوجد تسلسل زمني.. وهناك خلط بين الراوى والمؤلف وبطل القصة.. هذه إذن ثورة حقيقية فى مجال كتابة الرواية..

قبلها خاض شباب الشعراء معركة مجيدة من أجل كتابة الشعر بطريقة مخالفة للقواعد المتعارف عليها ساعين لنزع اعتراف الوسط الأدبى بالشعر الحر.

كانت المعارك التى يشنها الطليعيون مقصودة مع سبق الإصرار والترصد.. هدفها العصف بالثوابت والطعن فى مفهوم الأدب نفسه ومعاييره المتعارف عليها..هم فى غمار معركة لتحطيم الأصنام إذا جاز لنا هذا التعبير..اختلفت ردود أفعال الأدباء الكلاسيكيين ما بين التجاهل والتعالى على هؤلاء الشباب المتمردين.. والتهمة الشائعة الموجهة إليهم هى أنهم لا يملكون موهبة حقيقية ولا قدرة على الإبداع.. ويعوضون هذا النقص بالهجوم على القامات..يستسهلون الأمور.. هدفهم ينحصر فقط فى إثارة الضجيج.. بينما استجاب بعض الأدباء الكبار لهذا التحدى فطوّر من لغته وغيّر من أسلوب سرده الروائى وقدم أعمالاً تعكس أفاقاً جديدة..

وبعيداً عن الاتهامات المتبادلة يطرح السؤال نفسه: متى تصبح هذه المعارك الأدبية ناجحة ومثمرة؟

تجدر الإشارة إلى أنه قد تنشب فى بعض الأحيان معارك تحاول أن تبدو طليعية ولكنها مفتعلة وصناعية..هدفها إثارة ضجيج وصخب يلفت الأنظار..ولكن كيف نميز بين معركة طليعية حقيقية وأخرى صاخبة بلا جدوى؟

الإجابة هى أنه حينما ينجح الطليعيون فى فرض موجة جديدة من الكتابة.. لها معاييرها الخاصة..يقبل عليها القارئ ويتحمس لها.. ويتحول أعلامها إلى أدباء مكرسين معترف بأدبهم وإبداعهم.. عندئذ فقط يمكن القول إننا أمام وضع يبشر بظهور طليعة أخرى تخوض معركة أدبية جديدة.. هى إذن دائرة حياة مستمرة ومتواصلة..ومن المهم هنا أن نشير إلى أن المعارك الطليعية لا تهدف إلى الطعن فى الأدب الكلاسيكى ولا إلى اسقاط الكتاب المتوّجين من على عروشهم ولكن هدفها الأساسى هو انتزاع الاعتراف بطريقتهم الجديدة فى الكتابة لتستحق صفة الكتابة الأدبية..وبهذا يصبح الحقل الأدبى أكثر رحابة.

من رحم هذه المعارك الصاخبة قد تولد حركات أدبية جديدة مثمرة.. تنجح فى كسر المألوف والتقليدى الذى اعتاد عليه الأدباء الكلاسيكيون.. حركة أدبية تملك مقومات الدهشة.. وكسر روتين حياتنا اليومية الواقعية: حياة رتيبة.. شديدة الوطأة.. مملوء بالتفاصيل الثقيلة.. ما نحتاجه إذا هو لون من الأدب يجعلنا نخرج من هذه الدائرة.. ونفلت من ذلك الايقاع الخانق..

كل هذه الأفكار دارت فى ذهنى بعدما أصدرت هذا الحكم القاسى على الرواية التى قرأتها لتوى لهذا الأديب الشاب ولم تلق قبولاً منى.. ها أنا أراجع نفسى قائلة: لا ينبغى أن نرفض كل ماهو جديد.. ربما يجب أن نعطى أكثر من فرصة للجيل الجديد الذى نراه يجنح تماما عن كل ما اعتدنا على قراءته ومتابعته.. قد تكون ثورة جديدة تبزغ فى عالم الكتابة الروائية.. من يعلم؟


لمزيد من مقالات ليلى الراعى

رابط دائم: