رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا تراجع تأثير سلاح الثورات الملونة؟

فاجأت الولايات المتحدة خصومها بسلاح لم يكن فى الحسبان، وهو الثورات الملونة، الذى يعد أهم الأسلحة الأمريكية تأثيرا منذ اختراعها القنابل النووية، وجاء الاهتمام بإنتاج هذا السلاح بعد أن امتلك خصوم الولايات المتحدة أسلحة دمار شامل قادرة على الردع فأصبح الاستخدام المتبادل لتلك الأسلحة الفتاكة يعنى فناء البشرية، وبدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها عبر مراكز بحوثها المتطورة فى مختلف العلوم الاجتماعية والنفسية والإعلامية والتقنية فى البحث عن سلاح جديد، وكانت الثورات الملونة هى نتيجة تلك البحوث التى استخدمت مجالات التفوق الأمريكى فى الإعلام ودراسات التسويق والمعلوماتية، وجرى توظيف تطور معلومات المستهلكين عبر خوارزميات إلكترونية قادرة على التعرف على الميول والأفكار والمطالب والمشكلات اليومية والأذواق لدى أوسع جمهور، ولهذا كانت الخطوة الثانية بإنشاء شبكة ضخمة ومتنوعة من المنظمات، سواء فى مجالات حقوق الإنسان والحريات أو الأقليات الدينية والعرقية، ولم تكن مثل تلك المنظمات وشبكات الجمعيات ومراكز الدراسات تثير ريبة الدول، فلم تركز على مراكز المعارضة التقليدية فى الأحزاب والنقابات المهنية والعمالية، لكنها تمكنت أيضا من اختراق بعض الأحزاب والنقابات واستمالة «النشطاء» بالتمويل»، ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعى أصبح بالإمكان التعرف والتأثير على أفكار وتوجهات جمهور أوسع وأكثر تنوعا، لتصبح أدوات الثورات الوهمية أكثر تأثيرا وفاعلية، وكانت كتابات «جين شارب» أحد تلك المراجع المهمة عما يسمى «الثورات اللا عنفية»، ورغم أن هذه الكتابات ليست إلا جزءا يسيرا من الإنتاج الفكرى والحركى لسلاح الثورات الملونة، إلا أنها تكشف عن بعض آلياتها، وأهم ملامحها أنها تطرح شعارات عامة وفضفاضة من شأنها أن تجمع كل الفئات السياسية والعمرية، من اليمين إلى اليسار، ومن المهنيين والعمال والفقراء والمهمشين، فشعار مثل رفض الاستبداد والفساد لا يمكن أن يعترض عليه أحد، وهناك الكثير من الشعارات الحالمة، التى يمكن أن تراود جميع الغاضبين أو الحالمين مهما بلغ التفاوت بين أفكارهم وأهدافهم، مثل نستحق الأفضل، والمجتمع الجديد وغيرها من الشعارات الفضفاضة، وتبدأ التحركات تحت راية السلمية والاحتجاج الهادئ الذى يتحول إلى كرنفال احتفالى جذاب، وهنا يأتى دور أدوات الجذب والتشويق، مثل إدخال فرق موسيقية وإقامة حفل عرس، واستخدام رمز لونى مثل اسم زهرة جميلة ومحببة، ويلعب اللون والطابع دورا مهما فى الجذب واكتساب الثقة ورفع المعنويات، ويقدم جين شارب عددا من النصائح المهمة مثل عدم استفزاز أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة، بل محاولة استمالتها، بتقديم الورود مثلا، ثم تأتى خطوة إنهاك مؤسسات الدولة، فتلك التجمعات تتحرك فى أسراب صغيرة ونقاط تجمع وانطلاق مختلفة يصعب تتبعها أو مطاردتها، وتختفى من مكان لتظهر فى مكان آخر وهكذا ترتبك الأجهزة الأمنية، التى تتجنب فى البداية استخدام العنف المفرط أمام مجموعات سلمية تطرح شعارات شديدة العمومية، ولا يبدو أن وراءها جهة، ولا يظهر لها قادة مقلقون، وتأتى ثانى أهم نصائح جين شارب بتجنب التفاوض، وكلما تجاوبت السلطات مع مطلب فإنها ترفضه وترفع مطلبا أعلى، فتظهر السلطة على أنها تضعف وترتبك، بينما يزداد الغاضبون ثقة فى قدرتهم على انتزاع مكاسب أكبر، كما أن التفاوض سوف يؤدى إلى ظهور قيادات، وهو غير مطلوب بل من المحرمات فى المرحلة الأولى على الأقل، لأن ظهور زعامات أو طرح برنامج تفصيلى سيؤدى إلى اختلافات بين المحتجين، بينما الثورات الوهمية الملونة تريد جمع الكل‫.‬. جرى استخدام سلاح الثورات الملونة بنجاح فى البلدان التى كان معظمها يتبنى الإشتراكية أو الرأسمالية القومية الساعية لتحقيق قدر كبير من الاستقلال وامتلاك القوة الذاتية، وامتدت هذه الثورات من شرق أوروبا إلى آسيا، وحققت نتائج فاقت كل التوقعات حتى انها كانت تبدو فى البداية مثل موجات تسونامى الهائلة التى لا يمكن الوقوف أمامها، لكنها فى السنوات الأخيرة بدأت تفقد زخمها، بل تحقق الفشل تلو الآخر، فقد بدأ فك شفرات ذلك السلاح الجديد، واكتسبت الأنظمة بعض الخبرات، وعرقلت بعض الأدوات مثل منصات التواصل الاجتماعي، كما أن القطاع الأكثر وعيا من الجماهير بدأ يدرك الخديعة، والأخطر أنها بدأت تستخدم الأدوات الجديدة ضد أنظمة موالية للولايات المتحدة وحتى ضد حلفائها، بل يمكن استخدامها داخل الولايات المتحدة نفسها، ولهذا بدأت الولايات المتحدة مؤخرا تدمج بين سلاح العقوبات والثورات الملونة فى محاولة لإعادة إنتاج نسخة جديدة يمكن أن تكون أكثر فاعلية‫.‬.


لمزيد من مقالات مصطفى السعيد

رابط دائم: