رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ضد التصور الأسطورى للمرأة «13»

تتلخص صورة المرأة الذهنية عند بعض الفئات فى المجتمعات المختلفة فى أنها ضعيفة، ماكرة، كيدها عظيم، مكانها دوما متأخر عن الرجل، غير مؤهلة للحكم ولا للمناصب القيادية، مصدر للغواية، يوظفها الشيطان فى أعماله الشريرة. ومن اللافت للنظر أن مثل هذه الفئات تجل الأم، فكل رجل يجل أمه ويرفع من مكانتها غالبا ويبرز دورها فى حياته، لكنه عندما يتحدث عن المرأة الأخرى فإنه يفعل عكس ذلك تماما! فالتناقض المريع هو سمة من سمات العقلية الرجعية، ولن تجد هذا فقط فى موقف تلك العقلية الرجعية من المرأة، بل تجده فى معظم القضايا. وربما تسمح الظروف لكتابات أخرى للكشف عن تناقضات العقلية الرجعية فى موضوع مستقل. فنحن لا نريد الخروج عن سياق وحدة الموضوع الذى نتكلم فيه اليوم.

وتجد تلك الصورة الرجعية عن المرأة مغذيات كثيرة لها من مصادر متعددة، منها: الثقافة الموروثة، والعادات والتقاليد والأعراف، والأساطير المتداولة المحرفة من ديانات قديمة، واتجاهات نفسية ناشئة عن تجارب فردية شخصية، وأيضا من فهم مغلوط للوحى الكريم. وحتى لا تتفرع بنا تلك الصورة إلى قسماتها المتعددة، فسوف نتوقف فى هذا المقال عند الصورة الإجمالية التى رسمها القرآن لتلك المرأة الحكيمة التى تقود قومها باقتدار، ويُطلق عليها «بلقيس» فى كتب التواريخ والتفاسير، لكن القرآن الكريم لم يصرح باسمها، ربما لأن المقصد هو النموذج الذى تقدمه هذه المرأة وليس شخصية بعينها.

يتحدث القرآن الكريم فى سورة النمل عن امرأة تحكم قوما فى مملكة قديمة من ممالك اليمن السعيد، هى مملكة سبأ، وعاصمتها هى «مأرب» التى كانت قد انتقلت إليها من مدينة «صرواح».

وتشير كتب التواريخ إلى أن اسمها «بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل»، وكانت من نسل ملوك تمتعوا بالعز والقوة والجاه والغنى، وصنعوا من مملكتهم دولة مستقرة تنعم بالرفاهية والحكم السياسى الرشيد. ومن المتداول فى كتب التواريخ أن مملكة سبأ باليمن من أعرق الممالك اليمنية العربية وأقدمها، وقصتها من القصص القليلة القديمة التى توجد آثار باقية عليها، ونجدها مذكورة فى آثار ممالك أخرى، مثل آشور، فهى واردة فى بعض النقوش الباقية من عصر الملك سرجون ملك آشور «720-705 ق.م».

ويبدو أن هذه القصة هى إحدى الدروس الرئيسة من سورة النمل بجوار اشتمالها على قصص أخرى مهمة. وفى تصورى أن الدرس ليس عقائديا فقط، بل أيضا هو درس فى نظم الحكم الرشيد.

ما ملامح تلك المرأة كما ترسمها السورة الكريمة فى الآيات من «23 حتى 44»؟

1 ملكة حاكمة لقومها، «إِنِّى وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ».

2- غنية ولديها من كل شيء، «وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ».

3- تملك مظاهر الحكم والسيطرة، «وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ».

4- خطؤها يتمثل فى الجانب العقائدي، وليس فى طريقة الحكم، «وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ. أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ».

5- عندما واجهت تحديا يهدد وجودها ووجود قومها، قامت بعرض الموقف على قومها، وطلبت منهم التشاور والمشورة، وتحدثت باحترام عن ملك دولة أخرى، وعرضت رسالته بموضوعية على الرغم من الاختلاف العقائدى والسياسي، «قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّى أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ».

6- ليست مستبدة تأخذ قرارا منفردا، بل القرار يكون نتيجة عملية تشاركية، «قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ».

7- قومها يثقون فيها عن تجربة، فيذكرونها بقوتهم وبأسهم الشديد، ويفوضونها فى الأمر، «قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ».

8- لا يأخذها غرور القوة، وتدرك قوة خصمها، وتعرف حجمه وكيف يتصرف، كما تعرف نتيجة الصدام معه فى الحالات السابقة، ولا تريد أن تورط مملكتها فى مغامرة حرب نتيجة للتهور مثلما يفعل كثير من الحكام الذين يورطون بلادهم فى حروب تقضى عليها، «قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ».

9- تجس نبض خصمها لتعرف مقاصده، وترسل إليه هدية لعله يريد المال ويكف عن حربها، وفى كل الأحوال فسوف تعرف من رد فعله المقصد الذى يرمى إليه، «وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ».

10- ترفض التسرع فى قرع طبول الحرب، وتسعى للتحالف للحفاظ على مملكتها وقومها، وتذهب لسليمان وتدخل معه فى حوار، ويقدم لها سليمان آياته وحججه لحسم المعركة سلميا، «قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ. وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ. قِيلَ لَهَا ادْخُلِى الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ».

11- عندما تبين لها أن مقصد سليمان هو الدعوة لعبادة الواحد الأحد، وقامت لديها الحجة على أن هذا هو الصواب، لم تتكبر ولم تعاند، بل أقرت بخطئها العقائدي، وغيرت عقيدتها وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، لم تسلم لسليمان بل أسلمت معه لله رب العالمين، «قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

هكذا يتبين لنا أن المرأة أصناف وألوان، وأن الحكم على المرأة بعامة هو حكم كلى متسرع فى التعميم، فهناك فروق فردية بين النساء، مثلما توجد فروق فردية بين الرجال، وإذا كان بين الرجال الضعيف والقوي، فهناك بين النساء الضعيفة والقوية. وإذا كان بين الرجال العاطفى والحكيم، فهناك بين النساء العاطفية والحكيمة. وإذا كان بين الرجال الساذج والحصيف، فهناك بين النساء الساذجة والحصيفة. وإذا كان بين الرجال الظالم والعادل، فهناك بين النساء الظالمة والعادلة. وإذا كان بين الرجال الحاكم غير الرشيد والحاكم الرشيد، فهناك بين النساء الحاكمة غير الرشيدة والحاكمة الرشيدة. وإذا كان بين الرجال من يرجع عن الخطأ عندما يتبين الصواب، فهناك من النساء من ترجع عن الخطأ عندما تتبين الصواب. وإذا كان من الرجال صنف مؤهل للحكم وللمناصب القيادية، فإن من النساء صنفا مؤهلا للحكم وللمناصب القيادية.

هذا قاسم من الصورة الذهنية للمرأة طبقا لمحددات القرآن الكريم فى الخطاب الدينى الجديد، فى مقابل الصورة الذهنية الأسطورية التى رسخها أصحاب الفهم المحمل بالأساطير والثقافات الموروثة من عصور البداوة.

وللحديث بقية.


لمزيد من مقالات د. محمد الخشت

رابط دائم: