رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكاية خليل وبدرية

يوسف احمد حامد;

أ) حوارات متداخلة

وهى تلقى الكرناف الناشف والجريد اليابس وروث البقر الجاف فى فوهة الفرن المشتعل ,وتحرك النار بالسيخ , تدفعها للداخل فتتوهج الفرن. قالت أمى : خليل طلق بدرية.

وهى مشغولة بتجريح الأرغفة, تنقلها من على المقارص, وتجرحها بسن الإبرة, تلف بها حول الرغيف , ثم تضعه على المطرحة, وتدخله الفرن بحذر. ردت الخالة : قولى كلام غير ده.

قالت أمى : لها شهر فى بيت أبوها.

بعد أن أخرجت الأرغفة الناضجة ووضعتها فى السبت, فحملتها أختى نعمة. قالت الخالة : له حق يطلقها تلات سنين وما حبلت.

جاءت ليلى بالأرغفة التى اختمرت من تحت الشمس, لتضعها بجوار أمها, تسير حذرة حاملة ثلاث مقارص , واحدة على رأسها واتنين على يديها.

فصاحت لها أمها : مدى يا بنت .

ذهبت ليلى تبرطم , وعادت مسرعة. تقول : كلمى يا خالتى عمى حامد جاء.

قامت أمى من أمام الفرن, تنفض ثوبها الأصفر المحلى بزهور حمراء وخضراء, وتصلح وضع الطرحة على رأسها, وتمسح عرقها بكم الجلباب, وهى مارة بمنى الجالسة فى الشمس بجوار الأرغفة. قالت لها : هشى الذباب وأبعدى الحمام.

ظلت منى مشغولة بقشة ترسم بها على الأرض خطوط ودوائر.

قال لها أبى : معى ضيف حضروا الفطور.

عادت أمى وقالت لنعمة التى كانت تأخذ الأرغفة الناضجة وتحكها من أسفل بالسكين لتزيل عنها رماد الفرن والردة : قومى شوفى بيض عند الفروج.. وهاتى قالبين جبنة من البلاص.

وجدتنى خلفها. فصاحت : مالك يا عزة.. دايرة ورايا؟.. روحى خدى فلوس من أبوكى وهاتى زيت.

ذهبت الى أبى فى المندرة , كان أبى يمسح العرق عن رأسه الأصلع والرجل الآخر يبرم شاربه الرفيع.. وهو يقول : خليل أتبتر على النعمة.

رد أبى :كيف?

ــ بيت خليل الشرقى اللى بينشف فيه البلح..وبيقيل فيه يحرس البلح.. راحت له بدرية هناك .. ويا ريتها ما راحت.

ــ ليه؟

ــ لقيت معاه نوال ..جارتهم البايرة اللى بيقولوا ..انها مش بنت ..استغفر الله العظيم.

ــ علشان كده راحت بدرية بيت ابوها .

ــ وحلفت يطلقها خليل أبوعين زايغة.

لمحنى أبى واقفه بالباب .فقال : ايوه يا عزة.

قلت : عاوزين فلوس نشترى زيت.

أخذت الفلوس وخرجت للشارع, كان العيال يلعبون الكرة , صاح لى حسان ولد عمي: عدى بسرعة يا عزة للكورة تعورك .

جريت حتى اول الشارع .وصحت له : عقرب تاكلك يا حسان .

أسرعت إلى الدكان , كان البائع مائلا بوجهه خارج الدكان, ويهمس إلى رجل : اخص بدرية بنت الحاج أحمد الناصح.. الفاجرة بنت الكلب .

فقال الرجل : ليه كل ده ؟

ــ ما أنت ما تعرفش اللى حصل .. خليل بيسافر كل ليلة أربع يبيت فى أسوان علشان السوق يوم الخميس .. يومها رجع وما سافرش .. لمح سعد بينط الحيط .

ضرب الرجل كفا بكف وهو يقول : سعد السكران ابن خالها اللى مش لاقى بنت فى البلد تقبله .. اللى كل يوم يمسكوه بيطارد عيل فى القصب أو عالبحر.

ــ وقال لها خليل ..أنت طالق .. غورى على بيت أهلك.

رأنى البائع . فصاح لى : ايوه يا بنت؟

أخذت الزيت وعدت للبيت , خلفى دخلت جارتنا عزيزة , وقالت لأمى : فرنك حامية ؟

ردت أمى بالإيجاب, فأعطتها عزيزة دماسة الفول كى تضعها فيها, حين استقرت عزيزة على الأرض . قالت : خليل بيجير بيته .. اكيد حيتجوز .

قالت أمى : حقه ..هى البنات قليلة .

ثم التفتت إلى قائلة : قولى لأبوكى الأكل جاهز .

فى المندرة كان هناك رجل آخر قصير وممتلئ ..كان يقول : بدرية مرات خليل ولدت .. وخليل طاير من الفرحة.. وحيدبح عجل .

قال أبى : تلات سنين وما حبلت ..دلوقتى اللى افتكرت .

قال الرجل الأول : وكانوا مخبين ليه ؟

قال الرجل الثانى : كانوا خايفين من الحسد .

قال الرجل الأول : يا إخواننا أنا قلت قبل كده

..خليل الكومى عاقر .

فقال الثانى : وده ابن مين ؟

صحت أنا : يا با الفطار جاهز .

أعاد أبى ما سمعه على أمى بعد الظهر, فحكته أمى لخالتي, وتناقشت فيه مع النسوة بعد العصر وهن يقطفن ملوخية فى شريعة الباب .

ب ) حكاية قديمة ملحة

روت البنت عزة حكاية خليل وبدرية بعد خمسين عاما لأحفاد إخوتها , فى إحدى ليالى الشتاء فى حاصلها الذى أعده لها ابوها لتتزوج فيه حين قاربت سن الزواج, فهى الحكاية الوحيدة التى تذكرتها ليلتها, وكانت تفاصيلها متجمعة فى رأسها تريد الخروج, لكنها اختصرت بعض التفاصيل , وكانت قد استبعدت الحكاية فى ليالٍ سابقة , رغم إلحاح الأحفاد طويلا على سماعها

واما ما قيل عن سعد من إنه مات سكران فى عرس فى الغرب , أو ما قيل عن إنه سافر إلى مصر وقبض عليه سارقا للشقق ومات فى السجن , وقيل عنه أيضا إنه عمل صبيا فى مقهى وقتل فى مشاجرة مع بلطجى فى عرس بسبب راقصة, قالت البنت عزة عندما سألها أحفاد إخوتها عن ذلك , إنها لا تعرف شيئا عن أخبار سعد ,لأنها لم تعد تخرج من الدار حين شارفت سن الزواج , وتجنبت الحديث مع الناس .

وما قيل عن حسن ابن خليل وهل حقا يشبه سعد؟ , قالت إن التشابه وارد, فأبو سعد هو خال بدرية , لكنها لا تعرف شيئا عن سلوك حسن, الذى قيل عنه إنه يطارد العيال , وإنه ينط الحيطان ويسكر فى الأعراس .

اما ما قيل عن ابن عمها حسان, الذى أراد أن يتزوج زهرة بنت بدرية وخليل , ورفض العائلة لطلبه واعتباره خارج على تقاليد العائلة , قالت إنها سمعت طراطيش كلام حول هذا الموضوع

لم تتعجب عندما علمت أن خليل أقام دارا بعيدة, ولها حيطان عالية مسقوفة , ومنع أبناءه من الاختلاط بالناس , وأن أحفاده لا يختلطون بالناس ولا يجلسون على المقاهى , فقط يتكاثرون ويكثرون أموالهم وأراضيهم فى صمت وإصرار, وصغارهم لا يلهون مع عيال الآخرين .

اما ما قالته الجدات , زوجات إخوة عزة , من أن عزة كانت تستيقظ فزعة فى منتصف الليالي, وترى فوق الحيطان أشباحا ووحوشا وشياطين, وتصرخ وتولول, وتقسم وهى تشير إلى أطراف جذوع النخل الساقفة للحواصل, بأنها تتحرك وأنها ستفترسها .

لم يجرؤ أحد من العيال على سؤال البنت عزة عن ذلك , قالت الجدات إن ذلك هو سبب عدم زواج البنت عزة , والحقيقة أن كثيرين تقدموا للبنت عزة حين شارفت سن الزواج , من أبناء الأعمام والأخوال والجيران , وأنها رفضتهم جميعا , رفضا باتا وقاطعا , بالصراخ والنواح والبكاء والتشنج, ولطم الخدود والامتناع عن الشراب والطعام , والتهديد بقص شعرها أو شرب الجاز, حدث كل ذلك منها دون أن تبدى سببا واحدا لرفضها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق