رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سلوى

خالد عميرة;

معذرة.. لم أعد أستطيع الصمت أكثر من ذلك، احتملت كثيرا دون جدوى، ولم تعد هى تأبه بصمتى ولا بترفعى عن الرد، فقط تتحدث وتتحدث، تدس شفتيها فى كل أذن تلقاها فى الطريق، تنثر بذور أكاذيبها فى كل مكان، فتنبت غابات من الوهم تستريح فى ظلالها. شكتنى لأصدقائي، للجيران، لزوج المرحومة خالتى الذى لا تخفى نظراته المترملة العطشى على أحد، لعمى الأصغر الذى تعلم كم أحبه، والذى همس فى أذني: «دعك منها.. لا تشغل بالك.. لعلها تعانى ثقوبا فى الذاكرة»، شكتنى لطوب الأرض.. رجمتني، فما استراحت.. وما استرحت.

عمن أتحدث؟، تعرفون بالتأكيد، شقيقتى سلوي، ألم أقل ذلك فى البداية؟، حسنا.. ربما نسيت، هى أختى الكبرى التى جاوزت الخمسين وما زالت تصر على أننى سرقت ميراثها عن أبي، والحقيقة التى لا تعلمها، أنه لم يكن هناك ميراث أصلا، فقط ديون تركها الوالد متراكمة فى نوتة خضراء صغيرة مخبأة بدرج مكتبه، أخفيتها عن الجميع، وتوليت سدادها عنه دون أن أكشف ستره لأحد، استدان كى أكمل تعليمي، استدان كى يحجز لها قاعة الخطوبة، استدان كى يجهزها للزفاف، استدان .. واستدان.. واستدان، وتتهمنى فى النهاية بسرقة الميراث.

صدقونى لم يحزننى الاتهام بذاته، لكنه خلف جرحا غائرا كون الطعنة جاءتنى من تلك الكف البيضاء البضة، التى عجنت قلبى وخبزته، ثم فجعتنى وهى تلوكه تحت الضروس، فسلوى لم تكن مجرد أخت، هى شقيقة الروح التى سميت ابنتى الوحيدة باسمها، رفيقة الطفولة وأيام الصبا، روح الأنثى التى تسرى بدمى فتمنحه بعض الخفة والنقاء، ابنة أيامنا الغضة التى لم أتصور يوما أن تذبل أو تجف، تلك الأيام التى مازلت أحلم باستعادتها، مازلت أحلم باجتماع شملنا ــ أنا وهى ــ فى بيت العائلة القديم، صحيح أنه لم يعد هناك عائلة، لكن لا مانع من محاولة إعادة بنائها من جديد، أعلم أنها لن تستطيع الانسلاخ من حياتها الآن، لن تستطيع مفارقة بيتها .. زوجها المتعطل طويل اللسان.. ابنتها أوابنها المريض.. عملها، لكن كل ذلك لن يمثل عائقا بالنسبة لى ، فأنا أكثر تحررا منها، حياتى أكثر خفة وأقل انغراسا بأى أرض، يمكننى مفارقة حياتى كلها والعودة إليها متى أرادت، كما يمكننى مفارقتها ــ دون ألم ــ إن أصرت على أكاذيبها السوداء، صدقوني.. لم يعد يربطنى بسلوى شىء أبكى عليه، مثلها فى ذلك مثل زوجتى .. سلوي.

هل أطلت عليكم؟، أعلم ذلك، أرجوكم ألا تغضبوا، أعذروني.. احتملونى بعض الوقت حتى ولو بنصف أذن، أريد أن أتحدث فقد خنقنى الصمت.. فقط أتحدث.

لم يدم شهر العسل بيننا أكثر من شهر.. ربما أكثر قليلا، لكن مع تأخر الحمل صار البيت كتلة لهب، هل لو وصفناه بكوخ من الثلج يكون أوقع؟.. ربما، حسنا.. فلنقل إنه صار كوخا من الثلج، يسكنه زوجان من الدببة، كل منهما يزاحم صاحبه ليستأثر بمساحة أكثر اتساعا، أو ببعض الهواء الذى يحميه من الاختناق ويدفع صاحبه للموت.

- لكنك قلت أن لك ابنة اسمها سلوى أيضا؟

أنا قلت ذلك؟.. حقا؟.. ربما.. لا يهم، لعلى نسيت، سمعت الطبيب يقول لعمى وأنا ممدد فى فراغ من البياض، بعد أزمة صحية لا أعلم لها سببا: «لا تقلقوا .. هو فقط يعانى بعض ثقوب فى الذاكرة»، حقا؟.. أنا قلت العبارة نفسها عن شقيقتي؟.. ربما، لا أتذكر، ما أتذكره جيدا أننا ذهبنا إلى عشرات الأطباء من أجل طفل يبث الروح فى أيامنا، دون جدوي، جميعهم كانوا يمنحوننا الابتسامة الصفراء الباهتة ذاتها، ويخفون وجوههم فى دفتر الروشتات، ويحدثوننا باقتضاب بينما تتهرب حروفهم الزرقاء المرتبكة فوق الصفحات البيضاء، يكتبون أدوية يعلمون ونعلم أنها لن تأتى بجديد، ويودعوننا بعبارة ثابتة: «أشوفكم بعد أسبوعين، أهم شىء الالتزام بمواعيد الدواء، وتوقيتات اللقاء الحميم»، لكن حين قال أحدهم مرة، ربما على سبيل التغيير، أو المزاح السخيف، أو ربما الحقيقة الأكثر سخافة: «كلاكما بخير.. فقط حبوا بعضكما أكثر من ذلك» فتح على أبواب جهنم، فاتهمتنى سلوى بالبرود والخيانة، وأن عاهرات ما قبل الزواج أفسدنني، وأننى مازلت التقى نساء غيرها.. و... و... وازداد الكوخ ضيقا وبرودة، وازداد الصمت كثافة، واحمرت عيناها والوجنتان، وربما اتقد فى روحها شىء ما فأضاء وجهها، وازدادت جمالا فى تلك اللحظة بالذات، حين صرخت فى وجهي: «أنت لم تنس سلوي.. مازالت تسكن قلبك.. روحك.. حتى جسدك لا يطاوعك بسببها».

كانت تقصد سلوى زميلتنا – أنا وهى – أيام الجامعة، والحقيقة أنها ربما لم تكذب فى ذلك، فسلوى – حبيبتى القديمة – لم تفارق روحى أبدا منذ افترقنا فى نهاية الدراسة، ومنذ اكتست عيناها بهذا الحزن الغائم، الحائر بين الحقيقة والادعاء، وهى تلقى فى وجهى عبارتها الأخيرة: «لن نستطيع إكمال هذا الأمر.. حبنا مستحيل.. حب بلا نهاية منطقية.. أمامك الكثير، أهلى يمارسون على ضغوطا كثيرة لإتمام الخطوبة على قريب أمى الثري.. و.. و...»، عذرتها ولم أعقب، لم أغضب منها لكننى فى الوقت ذاته لم أستطع التخلص من أثرها، صارت سلوى وشما فى جدار الروح لا ينسلخ إلا بها، وبقيت هكذا – كما حكيت لكم – بلا زواج، أحيا مع أبى وأمى فى هذا البيت القديم، لا يطرق بابى إلا جارتنا.. سلوي، وصار لى مع هذه الجارة الثلاثينية الفارعة، ذات السمرة المحببة، والشفاه المكتنزة، حكاية لا تنسي، سأرويها لكم.. لا تملوا.. لن أطيل عليكم.. صدقوني.. سأحكى لكم القصة باختصار، كانت سلوى...

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق