رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل نحن عرب أم فراعنة؟!

أعادت احتفالية المومياوات التى شهدتها مصر أخيرا وشدت اهتمام العالم كله قضية اختلف عليها المصريون كثيرا.. وهى تاريخ مصر ما بين الفراعنة والعرب, وهل مصر فرعونية أم عربية رغم أن السؤال يبدو عادياً إلا انه كثيرا ما كان سببا فى انقسام الشارع المصرى، خاصة من مواكب المثقفين.. هل نحن فراعنة أم عرب.. إن هذا الانقسام أخذ مساحة كبيرة بين أصحاب الفكر وكان الخلاف الأكبر بين رجال الدين الذين ربطوا بين العروبة والإسلام.. ومن هنا وصلوا إلى سؤال آخر هل مصر فرعونية أم إسلامية رغم أنه لا تعارض بينهما لأن لكل منهما زمانه.. 

< وفى الأيام الماضية عاد السؤال يطرح نفسه، خاصة بين فريق يرى أن فرعونية مصر لا علاقة لها بالأديان السماوية حتى لو قامت فيها دعوات للتوحيد .. كما أن مصر عرفت بعض الأنبياء الذين جاء ذكرهم فى القرآن الكريم مثل إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى والسيد المسيح والعذراء مريم عليهم السلام .. إن هذا يؤكد أن مصر عرفت الأديان السماوية فى آخر عهود الفراعنة، ولكن الأديان غلبت فى مسيرة الأحداث والتاريخ ما بقى من عهود الفراعنة .. ولهذا كان تاريخ سيدنا يوسف عليه السلام وإخوته أهم من حيث الأحداث من عزيز مصر .. وكانت قصة سيدنا موسى عليه السلام أهم من فرعون مصر ،خاصة أن قصص الأنبياء فى القرآن الكريم كانت هى المصدر الذى استندت عليه أحداث التاريخ ورواياته.. 

< إن الخلاف كان عادة بين مثقفى مصر حول قضية الهوية والانتماء، رغم أن التنوع كان من أهم عناصر تكوين وثقافة الشخصية المصرية، وكان ذلك نوعا وعقيدة، وإن اتفق فى عناصر ثقافية أهمها اللغة العربية التى جمعت كل التناقضات فى وعاء واحد مع دخول الإسلام مصر.. 

< إن قصص الأنبياء فى مصر تجاوزت فى تأثيرها قصص الفراعنة، وغلب تاريخ الأديان على أسماء الفراعنة الكبار مثال تحتمس ورمسيس واخناتون وأحمس وحتشبسوت ونفرتيتي.. وإن بقيت أسماء الأنبياء عليهم السلام الأكثر بريقا وتأثيرا .. لم يكن الخلاف حول الأنبياء والفراعنة لأسباب تاريخية ولكن كان لأسباب دينية .. فقد كانت قصة اليهود فى مصر وحكاية سيدنا موسى عليه السلام من أهم القصص فى القرآن الكريم، وكذلك قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع إخوته، وقد أخذت سورة كاملة فى القرآن الكريم .. كما أن هناك قصصا أخرى أهمها قصة السيدة مريم العذراء وسيدنا عيسى عليهما السلام .. ولابد أن نعترف أن قصص القرآن الكريم كانت أعمق أثراً عند المصريين من آثار الفراعنة .. رغم أن تاريخ الفراعنة قام على شواهد وأماكن وآثار إلا أن قصص القرآن بقيت المصدر الأكثر صدقاً ومصداقية من كل ما كتب المؤرخون عن فراعنة مصر، وإن بقيت شواهد الفراعنة حية بيننا.. 

< من هنا انقسم المصريون لأكثر من فريق هناك من توقف عند تاريخ الفراعنة وأبحر فيه وعاش على أمجاده .. وهناك من اقترب منه من خلال ما جاء عنهم فى القرآن الكريم فى قصص الأنبياء.. وبقى فريق ثالث يراهم مجرد تاريخ قديم عبر وترك آثاراً لحضارات ذهبت مثل كل الحضارات .. ولا شك أن الفراعنة جزء أصيل فى تاريخ مصر .. إن له شواهده وهى مازالت حديث العالم فى تفردها وتميزها، ومازال العالم يقف حائرا أمام منجزاتها فى الطب والعمارة والحروب والآثار وطقوس الموتى والمقابر.. وأصبحت لها مدارس فى كل دول العالم تنقب فيها وتبحث عنها ومازالت معجزاتها تطوف فى متاحف العالم من توت عنخ آمون وقناعه الذهبى إلى المسلات التى تزين ميادين العواصم الكبرى إلى نفرتيتى جميلة الجميلات.. 

إن الإنسان المصرى استمد مواقفه وثوابته من خلال عقيدته وما جاء فى القرآن الكريم كان هو الدين والتاريخ والحقيقة.. 

< وبقيت أسرار الفراعنة فى معابد الكرنك وأبو سنبل والهرم وأبو الهول وطقوس الموتى والعالم الآخر.. إن شواهد ورموز الفراعنة أخذ صفحات كثيرة من تاريخ البشرية وهم من حيث الدور الحضارى يتصدرون مسيرة الحضارات فى العالم.. هناك فريق آخر يرى أن مصر العربية تتعارض تماما مع مصر الفرعونية.. وأنا أرى أن هذا يعكس خللا فى الرؤى لأن تاريخ البشرية كلها مجموعة مراحل يمكن أن تختلف فى كل شيء.. حتى مصر الفرعونية تختلف فى مراحلها رموزا وملوكا وفراعنة وانتصارات وهزائم..  

< وفى مصر كان تاريخ ظهور الأنبياء كل نبى فى عصره فكانت قصة سيدنا موسى مع اليهود.. وكانت المسيحية فى رحلة العائلة المقدسة، ثم كانت مصر القبطية حتى جاء الإسلام لتصبح أرض الفراعنة مهبط أكثر من دين وعقيدة.. ولهذا فإن مصر ليست فرعونية فقط إنها كل العقائد والأديان فقد عرفت التوحيد قبل أن تهبط الأديان على البشر.. ثم شهدت كل الرسالات السماوية فتزوج فيها سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء من هاجر المصرية وتزوج يوسف عليه السلام من زليخة، وكان حارساً على خزائن الأرض فيها.. وخرج منها موسى عليه السلام أى أن مصر جمعت كل عقائد التوحيد اجتهادا وديانات وعقيدة.. إن مصر هى كل هذه العصور وهذا هو الثراء الحقيقى ولهذا من حق كل مصرى أن يفخر بأنه فرعونى فى آثار أجداده، وأن يعتز أنه قبطى فى كنائس أنبياء عاشوا فى وطنه، وأن يجد قصص الأنبياء جميعا فى كتاب سماوى آمن به وهو القرآن الكريم دعوة محمد عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء والمرسلين.. 

< إن قصص الأنبياء فى القرآن الكريم أهم وثيقة إلهية كتبت تاريخ الأنبياء.. ومن هنا فإن مصر القبطية حلقة مضيئة تكمل تاريخ فراعنة مصر ومصر العربية الإسلامية تاريخ حافل بالإيمان والصدق واليقين.. يبقى بعد ذلك كله مصر الثقافة التى وحدت البشر فى كل مكان على صدق العقيدة والإيمان الصحيح، إنها مصر الثقافة التى جمعت خلود الفراعنة وإيمان العقائد وعراقة التاريخ.. أينما ذهبت فى مصر سوف تجد أثرا فى معبد أو كنيسة أو مسجد أو تمثال فرعوني.. ولهذا لا أجد مبررا للخلاف بيننا هل نحن عرب أم فراعنة أم مسلمون أم أقباط، نحن كل هؤلاء لأننا نحمل اسم حضارة عظيمة زينت وجه البشرية ومنحتها الإيمان واليقين والإبداع والإنسانية.. إن قصة السيدة مريم العذراء وسيدنا عيسى عليهما السلام فى القرآن الكريم مصدر إلهام وإبهار لدى المسلمين والأقباط رغم اختلاف العقيدة.. 

< لقد حركت احتفالية المومياوات التى بهرت العالم شجونا كثيرة وتساءل الكثيرون عن هذا الماضى العريق.. ودارت محاورات حول شعر إحدى المومياوات وثار الجدل بين الدين والتاريخ والموتى رغم أن الأحياء فى حاجة إلى شيء مما كان لدى الموتى من الوعى والحكمة.. إن الشيء المؤكد أن الاحتفالية أعادت للناس عراقة مجتمع كان نموذجاً فى التقدم.. وإذا كان علينا أن نختلف فيجب أن نسأل أنفسنا كيف صاغ هذا المجتمع هذا النموذج الحضارى الرفيع منذ آلاف السنين.. وكيف نستعيد الوعى والإرادة لكى نسترد شيئا من هذا الأمس المجيد.. 

< ينبغى ألا نختلف هل نحن عرب أم فراعنة وأقول كل مصرى يحمل عراقة الفراعنة فى جينات تكوينه ويحمل يقين إيمانه قبطياً أم مسلماً فى عقائد سماوية أمن بها ونشرها وحافظ عليها إنه عربى اللغة والثقافة والجذور وعلينا أن نستوعب درس الاحتفالية وكيف رأى العالم فينا ما لم يره من قبل لأن تاريخ الحضارات كنوز مخفية وهى تذكر الشعوب بأمجاد نسيت ومعجزات تحققت وينبغى ألا يخفيها الزمن والأحداث.. إن مواكب المومياوات لملوك مصر التى بقيت عشرات السنين سجينة غرف مغلقة وحين أطلق سراحها أضاءت شوارع القاهرة العتيقة ووقف العالم فى حالة ذهول وانبهار، وهو لا يكاد يصدق أنه تاريخ مر عليه آلاف السنين وبقى يتحدى العواصف والرياح والزمن.. 

 

ويبقى الشعر

عودُوا إلى مصْر ماءُ النـِّيل يكفينـَا 

منذ ارتحلتمْ وحزنُ النهْر يُدْمينــــا 

أيْن النخيلُ التى كانتْ تظللـَنــــــــا 

ويرْتمى غصْنـُها شوقـًا ويسقينـَا؟ 

أين الطيورٌ التى كانتْ تعانقـُنــــــا 

وينتشى صوْتـُها عشقـَا وَيشجينا؟ 

أين الرُّبوعُ التى ضمَّتْ مواجعَنـَـا 

وأرقتْ عيْنها سُهْدًا لتحْمينـــَــــا ؟ 

أين المياهُ التى كانتْ تسامرُنــــَــا 

كالخمْر تسْرى فتـُشْجينا أغانينـَا ؟ 

أينَ المواويلُ ؟..كم كانتْ تشاطرُنـَا 

حُزنَ الليالـى وفى دفْءٍ تواسينـَـــا 

أين الزمـــــــانُ الذى عشْناه أغنية  

فعانــقَ الدهـْــرُ فى ودٍّ أمانينـــَـــــا 

هلْ هانتِ الأرضُ أم هانتْ عزائمنـَا 

أم أصبـحَ الحلمُ أكفانـًا تغطـِّينــــــــَا 

جئنا لليلـــــــى .. وقلنا إنَّ فى يدهَا 

سرَّ الحيَاة فدسَّتْ سمَّهــــــــا فينـــَا 

فى حضْن ليلى رأينا المْوت يسكنـُنـَا 

ما أتعسَ العُمْرَ .. كيف الموتُ يُحْيينا 

كلُّ الجراح التى أدمتْ جوانحَنـــــَــا 

وَمزقتْ شمْـلنـــا كانتْ بأيدينــــــــــَـا 

عودوا إلى مصْر فالطوفانُ يتبعكـُــمْ 

وَصرخة ُ الغدْر نارٌ فى مآقينـــــــَــا 

منذ اتجهْنا إلى الدُّولار نعبــــُــــــدُهُ 

ضاقتْ بنا الأرضُ واســودتْ ليالينــَا 

لن ينبتَ النفط ُ أشجارًا تظللنـــــــَـا 

ولن تصيرَ حقولُ القار .. ياسْمينــَا 

عودوا إلى مصْرَ فالدولارُ ضيَّعنــَا 

إن شاء يُضحكـُنا .. إن شــاءَ يبكينـَـا 

فى رحلةِ العمْر بعضُ النـَّار يحْرقنا 

وبعضُهَا فى ظلام العُمْر يهْدينـــــــَا 

يومًا بنيتمْ من الأمجَـــــــاد مُعجزة ً 

فكيفَ صارَ الزَّمانُ الخصْبُ..عنينا؟  

فى موْكبِ المجْد ماضينا يطاردنـــَا 

مهْما نجافيهِ يأبى أن يجَافينــــــــــَـا 

ركبُ الليالى مَضَى منـــــــا بلا عَدَدِ 

لم يبق منه سوى وهم يمنينـــــــــَا 

عارٌ علينا إذا كانتْ سواعدُنـــــــــَا 

قد مسَّها اليأسُ فلنقطـعْ أيادينــــــَا 

يا عاشقَ الأرْض كيفَ النيل تهجُرهُ ؟ 

لا شىءَ والله غيرُ النيل يغنينـــَـا.. 

أعطاكَ عُمْرا جميلا ًعشتَ تذكـــرهُ 

حتى أتى النفط بالدُّولار يغـْرينـــــَا 

عودوا إلى مصْرَ..غوصُوا فى شواطئهَا 

فالنيلُ أولى بنا نـُعطيه .. يُعْطينــَـا 

فكسْرة ُ الخـُــبْـز بالإخلاص تشبعُنـا 

وَقطـْرة ُ الماءِ بالإيمَــــان ترْوينـَـا 

عُودُوا إلى النـِّيل عُودُوا كىْ نطهِّـرَهُ 

إنْ نقتسِمْ خـُبزهُ بالعدْل .. يكـْفيــنـَا 

عُودوا إلى مِصْرَ صَدْرُ الأمِّ يعــرفـُنــــــا 

مَهْمَا هَجَرناهٌ.. فى شوْق ٍ يلاقينــَــا 


لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: