رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاغتراب عن الاغتراب فى رمضان!

يعتقد المفكر الشاعر الألمانى (مارتن هيدجر) أن حياة الريف والفلاحين، أقل انحطاطا من حياة المدينة، وحياة الحرفيين البسطاء أكثر حقيقية من حياة العاملين فى الاستثمارات الكبري، تلك التى تتصف بالاغتراب والقلق، بينما الحياة البسيطة أكثر بهجة من حياة المدينة المعقدة المركبة، ويضيع فيها الإنسان .

وإن كان هيدجر يجد فى مكان الريف أكثر دفئا وإنسانية إلا إننى أجدها فى الزمن عندما يهل علينا شهر رمضان الكريم، فقد وقر فى الوجدان أن هذا الشهر واحة زمنية تتنفس فيها الروح لتحقق النفس ذاتها، ويتلمس كل فرد طريقه بمعرفته بناء على اتفاق عام إنه زمن الفرح بالروح الأخلاقية، التى تمثل البهجة الحقيقية والأمان النفسى بوسيلة متاحة لكل البشر هي.. التأمل عندما يجتمع الفكر بالإحساس لتجاوز الاغتراب الإنساني!

مفهوم الاغتراب قديم وظهر مع فلاسفة الإغريق، وتبلور بصورة أعمق مع الفيلسوف الألمانى (هيجل) الذى شرح أن الإنسان مغترب بالضرورة باغتراب الروح عن الذات من ناحية، واغتراب الذات الفردية عن الجوهر الاجتماعى من ناحية أخري، واختلف العلماء فى سبل تخفيف حدة الاغتراب النفسى الذاتي، وكذلك الاجتماعي، بإقامة علاقات اجتماعية خالية من التزييف وتحافظ على جوهر الحرية الفردية، حتى يشعر الإنسان بالحد الأقصى من السيطرة على المحيط الاجتماعي، وبالمثل على تصرفاته وأفكاره نحو ذاته. ورغم أن الفيلسوف الألمانى (فيور باخ) يرى أن الاغتراب الدينى أساس كل اغتراب، لأن المعتقدات الدينية الموروثة تفقد الإنسان المؤمن بها الخصائص الإنسانية الطبيعية، ويقهر ذاته فى نواميس خارجية مفروضة عليه، إلا أن الفهم الصوفى للدين ينفى هذا الاغتراب ويداويه، فالصوفية كل همها جوهر الإيمان والوصول إلى روح الوجود إلى الله سبحانه وتعالى وأساس الطريق هو الإحسان بتصفية النفس عن كل الموبقات التى تؤذيها وتضر غيرها، ويستقيه من علم التزكية للسالكين إلى الله، فهى النقيض للتيارات المتطرفة المتأسلمة، التى قادتنا إلى الاغتراب الاجتماعى الذى وصل لحالة من العداء مع الأهل ومع العالم! الوحدة الاجتماعية التى يشكلها شهر رمضان الكريم تخلق مناخا من التعايش والتواصل بين الناس وبعضها، وتعطى للإنسان الفرصة المناسبة للتأمل الذاتى ليتصالح مع الذات والمجتمع والكون، فيغترب عن الاغتراب الذاتى إيجابيا بالتأمل نحو الروح الأرقى والأسمي، وعن الاغتراب الاجتماعى حيث يتولد اتفاق جمعى على القيام بعبادة مشتركة وتحسين السلوك المتبادل، لتفاعل وتواصل وتعاطف مشترك، ففى هذا الشهر الاحتفالى تأخذ الذات هدنة من الاغتراب النفسى الذاتى ومن الاغتراب الاجتماعى على حد سواء!

وأعتقد أن أزمة الإنسان العربى المعاصر هى حدة الاغتراب عن نفسه بأفكاره ومعتقداته وقيمه الأخلاقية، وعن الآخرين الذين يتفاجأ بغرابتهم على مواقع التواصل الافتراضي، من الابتذال والوقاحة والبذاءة، أو فى المعاملات الحياتية من الكذب والإهمال والحشرية والتسلط، وكيف لا يشتعل الاغتراب مع هدم العراق وانهيار لبنان وسوريا واليمن... فقد تجاوز اغترابنا اغتراب (ماركس) الطبقى بين العمال والبرجوازية! بتفسيره تحكم البرجوازية صاحبة أدوات الإنتاج، فى نوعية العمل والمنتجات، التى تحولها إلى سلعة تدر أكبر ربح ممكن، وإجبار العمال على إنتاج منتوجات تحقق فائض قيمة لمصلحتهم، بغض النظر عن إرادة العامل فى القيام بالعمل الذى يريده، فأعتقد أن العمال الآن تجاوزوا العلاقة مع منتجاتهم إلى الرغبة فى العمل بحد ذاته لتحقيق ذواتهم فى العمل فما الإنسان إلا حيوان عامل! فى الدول الرأسمالية المستقرة ظهرت التيارات الاشتراكية لإنقاذ العمال من التشيؤ أى باعتبارهم بضاعة فى أيدى الرأسماليين ودعا (جورج لوكاتش) العمال للنضال ضد التشيؤ لإنقاذ نفسها والعالم والإنسانية، وأعتقد أن من يعيش التشيؤ ليس العمال فقط ولكن الوطن العربى كله الذى أصبح الرجل المريض فى العالم، وفرض عليه التشيؤ بتمويل وترويج الأفكار الماضوية، التى تنظر للإنسان كشيء يتشكل بإرادة مسلوبة للمنافقين والجهلة،ممن لا يدرون شيئا عن كيف يعيش العالم المعاصر، ويهربون بنا إلى الماضي، ولا يؤرقهم موت المسلوبين الفرحين بكونهم أشياء.

الوعى العربى يتجه لرفض التشيؤ الخارجى والداخلي، وثورة ( 30 يونيو) ما هى إلا ثورة ضد التشيؤ سواء من نظام التوريث السخيف، أو نظام التخلف المتأسلم، الذى فرضته إنجلترا الاستعمارية باحتقارها للشعوب المشيئة، وفى هذا الشهر المفترج فرصة لمراجعة ذاتية لكل فرد بينه وبين نفسه وبين الآخرين، ليعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو يرانا جميعا، عند الاجتهاد فى عملية السمو بالكينونة الذاتية أساس الفرح بكل العلاقات الإنسانية!


لمزيد من مقالات ◀ وفاء محمود

رابط دائم: