رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حَنينٌ إلى «رمضان» المصرى

يُحيل مسير الأيام كُلَ حيٍ إلى نُقصانٍ مؤذن برحيل، غير أن خطوَ المسير يتْرُك فى أرض النفوس آثارًا تُصنف تباعًا فى باب الذكري، فيلوذ كُل مُتذكرٍ بما كان، مستعينًا على ما هو كائنٌ، ومستأنسًا بالذكرى فى مواجهة وَحشة ما قد يكون، ويُحيلنا قسرًا واقع أيامنا إلى أعتاب ذكرى ما كان فى سِنيِّ حياتنا التى خَلتْ عبر حنين جارف–نوستالجيا- إلى طعم حياةٍ ولَتْ،وروح إيمانٍ بشهد المحبة تحلت، وشوارع وحارات وبيوت بالمؤمنين تزينت فتجلت، وأوطانٍ عن أهلها ما تولت. ليسَ هروبًا من مُفردات واقع العالم الجديد، قدر كونِه لجوء الباحث فى غرقه عن طوق نجاة يضمن البقاء، ولئن كان للبحث مواسم تُطرح فيها للنجاة الأطواق، فلا موسم أخصب من رمضان، شهر الله، الإنسانى الطيب، ونفحته للحياة فى أيام دهرنا المُخَدَرة قسوةً وطغيانًا وأعباء. يُحيل الحنينُ المِدادَ إلى خانة ما هو شخصي، بغير انفصال عما هو عام، حيث إسلامٌ مصرى كان مع تفتحُ وعيى ما زال قادرًا على مواجهة إسلام البداوة المُتصَحر وإسلام التنظيمات المُستَثْمَر، وإسلام الأنظمة المُوَجَه، وحيثُ مُسلمون مصريون يبسطون “حصيرة” للمحبة جامعةْ، يؤمنون بالشهر الفضيل كريمًا، فيقتدون به كرمًا لا يعجزه ضيق ذات اليد، ولا تُخالطه شبهات الرياء موائدً للإفطار تحت اسم مسئول أو مستثمر أو متحزب، ولا تجرح براءته تجارات الوعى الإعلامى والدرامى وبرامج المقالب المُعَدة سلفًا، ولا يُخلطُ صفاءه شوائبُ مكبرات الصوت التى تهتك أستار المآذن.

يحملنى الحنين إلى أوّلْ رمضان فى غربتى طفلًا مع والدى الشيخ فى العاصمة السعودية الرياض مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وكنت ذلك الطفل الذى جَرب طعم الاغتراب مبكرًا حين أهلَ علينا رمضان بعيدًا عن مصر، وحين أجتر هذه الذكرى لأضعها فى كفَةْ التقييم أكتشف أن للإسلام فى مصر طعم الحياة، ولرمضان فيها مذاقًا يُحيى موات الأيام، فرمضان الاغتراب كان خاليًا من زينة الشوارع التى تسبقه بأسبوع، وخاويًا من الفوانيس التى كانت تتوسط الشوارع والأزقة بين البيوت، وتلك التى كُنا نوقد شموعها ونطوف بها أطفالًا بعد الإفطار على الأهل والجيران، ولم يكن صوت الشيخ محمد رفعت يأتى إلينا من مكبرات الصوت التى تعلو مآذن المساجد وكذا لم تكن تنقل قرآن الفجر وتواشيحه، ثم كانت القاصمة حيث الشوارع بلا صانعى (الكنافة والقطايف) وبائعى (التمر هندى والسوبيا والعرق سوس).

يقودنا الحنين لمواجهة واقع عالم القرية الصغير الذى نحياه، والذى بطبيعة تطور تقنية الاتصال بات فيه الاحتفال بقدوم رمضان معولمًا، فسادت السمات الرمضانية المصرية على تصميمات الجرافيك الخاصة بفواصل القنوات العربية وكذا الصحف الورقية والإلكترونية، وراح الجيران يحاولون استدعاء إنسانيتهم بصبغ رمضانهم بصبغات مصرية تربينا عليها صغارًا قبل أن نهجرها، وغدا مسلمو المهجر فى الغرب حريصين على إحياء الليالى الرمضانية بقراءات قرآنية وابتهالات تستدعى رمضان المصرى لمواجهة تغريب الأجيال الجديدة وانفصالهم عن جذورهم، وحتى وسائل إعلام التنظيمات التى تتاجر بالإسلام راحت تُحيى موروثنا المصرى الرمضانى لتضمن به توسيع حواضنها المجتمعية، فأصبحت أغانى استقبال رمضان التراثية المصرية مادة للبث عندهم بعدما كانت (حرام)، وصارت الزينة الرمضانية المصرية والفوانيس ومدفع رمضان ديكورًا لبرامجهم بعدما عاشوا عمرًا يؤكدون أن كل ذلك (بدعة)، وهكذا صارت كل الدنيا من حولنا تتنسم الملامح المصرية لرمضان أملًا فى أن تؤنسنه وتُكسبه حيويته التى كانت له فى مصر حتى وقتٍ قريب.

يُحيلنا القدوم الرمضانى إلى واجب الاستنهاض للشخصية المصرية، تلك المُنسحقة بفعل أسباب الفساد والإفساد المتعددة والمتعاقبة لعقود، والمُثقَلة بهموم المعايش والمصير، والسجينة فى زنازين التقزيم والإفقار والتبعية والمظالم، والمُقَيدة بِمهددات تتتابع داخليًا وخارجيًا، وحيث إنّ القاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن الموسم الرمضانى فى هكذا واقع يوجب على كلِ معنى بالمصير المصرى أن يُعيد إحياء الخصوصية المصرية فى واقعنا دونما الاكتفاء بمجاراة الحالة الإعلامية التى يصنعها غيرنا ليُحاكى بها واقعًا كُنَّاه، ولئن كان رمضان فرصة إيمانية سانحة لوصل القلوب بمعبودها، فإن فى عُراه المصرية ما هو قادر على وصل ما قطعته أيادى الإفساد بين المصرى وأمِّه بهية حتى أحالته يتيمًا يُفتش عن أم، فليكن منَّا مسحراتى الوطن الذى يُغنى ما سطره عمنا فؤاد حداد (فوت يا زمان على مَهلك، سلم على أهلك، سبح بحمد العليم، على ضى صوت الشيخ محمد رفعت بيقرا فى الذكر الحكيم، الدنيا فجر مجاور السيدة، والمغربية يلالى ألف هلال، والأرض تخشع للجلال، للأمر بالمعروف، للرحمة تجمع أمهات الحروف، يا أهل الحوارى فى سنين الاحتلال، الشوق غنّى والجنة للمظاليم، ومصر حلفت بانتصار اليتيم).


لمزيد من مقالات ◀ عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: