رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

.. وما الحربُ إلّا ما عَلِمتُمُ !

جال الصاحب بعينيه فى السحاب المتراكم فى السماء كضباب البارود الأسود حاجبًا أشعة الشمس، بينما راح يتمتم بشفتيه كلمات مبهمة غطّت عليها كركرة ماء الشيشة أمامه. تعجب هو فسأله: بماذا تدندن يا كروان النيلين الأزرق والأبيض؟.. ردَّ الصاحب: أبدًا.. أحاول تذَكُر بيتَ شِعرٍ كانوا قرروه علينا فى الزمن الغابر. اهتمّ هو فتساءل: أى بيت هذا؟.. وعن ماذا يدور؟ قال الآخر: لقد كان بيتًا فى ذَمّ الحرب والتحذير من مخاطرها الوبيلة إلا أننى لا أستطيع استحضاره. ابتسم هو وهمس: فما جزاء من يذكره لك؟.. هل تدفع عنه ثمن حجر شيشته والمشاريب؟ .. ضحك الصاحب: ماشى يا أبا العُرّيف.. أرنى شطارتك.. هيّا اتحفني!

قال هو: إنها أبيات من مُعلّقة زهير بن أبى سُلمى يا فالح.. ومنها: (وما الحربُ إلا ما علِمتُمُ وذُقتُمُ/ وما هوعنها بالحديث المُرجَّمِ/ متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً/ وتَضرَ إذا ضريتموها فتضرمِ/ فتعرُككم عَرْكَ الرَّحى بثفالِها/ وتلقح كِشافا ثم تنتجُ فتُتمِ). ألقى الأبيات ثم صمت قليلًا مستمتعًا بمسحة الغباء فوق وجه الصاحب الفاتح فمه على اتساعه لا يكاد يفقه حديثا. ضحك هو مقهقهًا: طبعا سيادتك لم تفهم ولا كلمة.. إذن فاعلم أن زُهيرًا إنما قصد أن ينبه قومه إلى أن الحرب إن اشتعلت فلن تترك أخضر ولا يابسًا.. ولن يعرف نتائجها أحد.. ولسوف تطحن المحاربين طحنا.. بالضبط كما تطحن الرحى الطحين. سكت قليلا ثم أردف: لكن قل لي: ما الذى أعاد إلى ذهنك حدوتة الحرب هذه؟

ابتأس الصاحب، واكفهر وجهه، فبدا وكأن هَمَّ العالم كله انزاح عن كاهل العالم كله وهرول لينصَبَّ فوق دماغه. دمدم مكتئبًا: ألستَ فى الدنيا يا أخانا؟.. ألم تسمع الناس هنا وهناك يتهامسون عن حرب وشيكة بيننا وبين الأحباش بسبب الماء؟ هزّ هو رأسه لا مباليًا ثم قال: يا رجل لا تصدق كل ما تقرأ أو تسمع.. اطمئن.. لن تكون هناك حرب ولا يحزنون.. ولسوف تتوصل الأطراف إلى حل يرضيهم جميعًا فى نهاية المطاف. تعجب الصاحب وصاح: بماذا تهذى يا هذا؟.. هل نترك ماءنا يشربه الطامعون نارًا فى بطونهم ونحن ساكتون مُطنِّشون وعن الوعى غائبون؟.. ابتسم هو نافخا دخان الشيشة فى استهزاء: إذن فأنت لم تفهم تحذيرات ابن أبى سُلمى جيدًا!.

أراد الصاحب أن يجادل فأسكته هو، مشيرا بخرطوم الشيشة فى إصرار. قال: لا نحن.. ولا إثيوبيا.. ولا كائن من كان.. سيحارب.. أتعلم لماذا؟ لأنها إن وقعت( والعياذ بالله) لن يكون فيها خاسر ولا كاسب.. بل الكل خاسرون.. ومن ثم لن يسمح أحد من ( الكبار) بوقوعها.. وإيّاك أن تصدق ما يردده بعض البسطاء من أن السِّت أمريكا ( هانم) ستفعل بنا ما فعلته بصدام قبل سنوات.. فما ذاك إلا محض هراء. إن مصر ليست لقمة سائغة كما يتصور البعض من الغافلين، أو يصوّر البعض من المغرضين.. مصر يا عمّ الحاج ليست رقمًا سهلًا .. وتأكد جيدًا من أن سيف مصر (إن هى استلّتْ سيفها من غِمده) لن يبطش بسارق الماء وحده.. بل بمن وراءه.. وستغرق المنطقة كلها ( لا سمح الله) فى بحر من الدمار سيكون الكبار هم أول من يدفع ثمنه.. وهم طبعًا ليسوا بهذا الغباء!.

ابتسم الصاحب وكأنه كان فى انتظار جرعة الطمأنة والأمل ثم سأل: إذن ما تفسيرك لكل تلك الجلبة والهيصة حول الموضوع؟ قال هو مصحِحًا: ليست جلبة على الفاضى وإنما هى محاولة خبيثة لاستدراج مصر العظيمة إلى فخ محبوك بمنتهى المكر لتنشغل وتتكدر فتسهو عن خطط التنمية والبناء المنطلقة كالسهم فى كل مكان.. ولذلك فإن علينا التيقظ لهذا النوع من الفخاخ الذى كم وقعنا فيه فى الماضى وآن الأوان لنتعلم من أخطاء ماضينا .

نظر إليه الصاحب فى شكٍّ وريبة ثم همس: وكيف نخرج من هذا المأزق يا سيد الناس وها هم هؤلاء المتغطرسون سيمنعون عنا الماء؟.. عندئذٍ صاح هو: لن يستطيعوا شيئا ولسوف تري. إنهم يريدون الوصول بنا إلى حافة الهاوية لننجرف فنقع فيها.. لكنهم لا يعلمون كم ذا فى جِراب المصريين من حِيَّل وحلول يشيب لها الولدان فيما لو أن المصريين فتحوا الجراب.. وإن أرادوا فليجربوا وسيرون كم هى وخيمة عواقب تحدى صانعة الحضارات وأم التاريخ.. اهدأ يا صاحِ واطمئِن.. وغدا تقول إن صاحبى قال. فى تلك اللحظة اقترب فتى المقهى منهما متسائلا: هل أُغيّر لكما ماء الشيشة يا بهوات؟ فصرخ فيه الصاحب ملتاعًا: اذهب بعيدًا يا غلام.. فمن الآن وصاعدا لن يكون للشيشة إلا ماء واحد فقط فى النهار.. الله يرحمك يا ابن أبى سُلمي!.


لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات

رابط دائم: