رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشعبوية .. واختطاف الدين

إن العلاقة بين الحركات الشعبوية والدين معقدة ولا تتبع نمطا واحدا. لطالما تم استغلال الدين فى الصراعات السياسية، سواء بانتهاج سبل تتلاعب بالمشاعر، وهو أمر اختبرته المنطقة العربية مع صعود الإسلام السياسى وانحساره، كما اختبرته أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فى ظل التحالف بين اليمين المتطرف والأحزاب والحركات الشعبوية، حيث يرى علماء السياسة أن هذه الحركات تفهم الدين فى المقام الأول، على أنه علامة هوية وليس إيمانا.

بدراسات حالة من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والنمسا، وهولندا، وبولندا، وإسرائيل، يحلل كتاب «إنقاذ الناس: كيف يختطف الشعبويون الدين»، الذى حرره كل من نادية مرزوقى ودنكان ماكدونيل وأوليفييه روا، تلك العلاقة المتشابكة بين اليمين الراديكالى والحركات الشعبوية، فى محاولة لإجابة على سؤال عما إذا كانت الأديان هى السبب الرئيسى للشعبوية القومية، أم أنها مجرد اختطاف من قبل السياسيين لتعظيم أصواتهم الانتخابية؟، فليس هناك شك فى أن السياسيين يستخدمون الأديان لكسب الأصوات.

تشهد الديمقراطيات الغربية موجة من الشعبوية اليمينية التى تسعى إلى تعبئة الدين، لتحقيق أهدافها الخاصة. يؤكد المحررون أن الدين هنا يتعلق بالانتماء والهوية أكثر من المعتقد بالنسبة للشعوبيين، مع نشر الهويات والتقاليد الدينية لتحديد من يمكنه ومن لا يمكن أن يكون جزءا من «الشعب».

يركز الكتاب بشكل كبير على المركزية الأوروبية والمسيحية، إلا أنها تهتم بالدرجة الأولى بالدفاع عن القيم الدينية، مثل التعاطف والتضامن والإحسان. نتيجة لذلك، قليلا ما يتفاعل القادة الدينيون بإدانة الاستخدام الشعبوى للدين. الاستثناءات من هذا النمط هى أحزاب اليمين الشعبويون المتطرفون فى ثلاث دول، بولندا (القانون والعدالة) والولايات المتحدة (حفل الشاي) وإسرائيل (شاس). تمثل هذه المجموعات مجتمعات أكثر تدينا، وهى تدافع عن الهوية الدينية القومية والقيم التقليدية، التى تشمل المواقف المحافظة بشأن القضايا الاجتماعية والمواقف التقدمية (بدرجة أقل فى الولايات المتحدة) بشأن دولة الرفاهية. لا تمثل الأحزاب فى هذه البلدان بأى حال من الأحوال جميع الناخبين المتدينين أو الكنائس، لكن لديهم روابط تنظيمية أقوى بالدين المنظم، حيث يعمل بعض رجال الدين كقادة أحزاب أو حلفاء يحشدون أعضاء الكنيسة حول الاهتمامات الانتخابية للأحزاب. كما أن علاقات هذه الأحزاب مع مجتمعات المهاجرين أو الأقليات الدينية أكثر تناقضًا، حيث يتم تلطيف المخاوف بشأن الدفاع عن المجتمع الدينى القومى، من خلال المعتقدات حول الحرية الدينية والتواصل الخيرى .

تعكس المجتمعات العلمانية للغاية وتعرف نفسها على أنها مدافعة عن الثقافة المسيحية، وليس عن الإيمان المسيحي. لا تدمج هذه الأحزاب المعتقدات الأساسية للمسيحية، فيما يتعلق بوجود الله وطبيعته، أو الحاجة إلى العبادة، أو معاملة الجار. فى حين أن هذه الأحزاب تعرف بشكل متزايد عدوها على أنه الإسلام، فإنهم ينظرون إليه على أنه أيديولوجية سياسية أكثر من كونه دينا .

فقط يعاب على الكتاب تركيزه بشكل حصرى على الأحزاب الشعبوية لليمين الراديكالي. هذا يجعل من الصعب تمييز ما إذا كانت مجموعة هذه الأحزاب من الصور المسيحية العلمانية والمواقف المعادية للإسلام / المعادية للمهاجرين هى نتاج شعبويتها أو أيديولوجياتها الأكثر تحديدا، حيث تعرف الشعبوية هنا على أنها خطاب يؤطر السياسة على أنها صراع كونى بين الإرادة المفترضة لعامة الناس والنخبة الشريرة المتآمرة. بينما، بحكم التعريف، ينخرط كل حزب شعبوى فى هذا الخطاب، ومن يحدده الشعب والنخبة (وما إذا كان هناك «آخرون خطيرون» يهددون المجتمع أيضا) يتوقف على السياق التاريخى والنقاش الأيديولوجي.

تلك النظرة المعادية للإسلام تستند على نظرية خاطئة بأن الحضارة التى ينتمى إليها الأوروبيون جميعا - سواء تم التعبير عنها على أنها «الغرب» أو «أوروبا» - تتعرض للهجوم من قبل شخص آخر «شمولي» يُدعى الإسلام. فى ظل هذه الخلفية، ترى الشعبوية مهمتها على أنها معركة من أجل بقاء الحضارة نفسها، وتكتسب سياستها طبيعة متسامية. يُظهر الفهم الواسع للدين، من حيث علاقته بالمقدس، أن الطريق إلى «إنقاذ الناس» ليس حصريا «اختطاف الدين» بل تحويل السياسة نفسها إلى أداة للخلاص هنا على الأرض.

يوضح الكتاب أنه فى كثير من الأحيان، فى دفاعهم عن أوروبا المسيحية، يشن الشعبويون حربهم ضد الإسلام باسم القيم الليبرالية والتقدمية ضد الإسلام غير الليبرالى، القيم التى فى الواقع، ساهمت فى علمنة أوروبا (وإزالة المسيحية من القارة)، وهى مفارقة جديرة بالملاحظة والتوقف عندها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق