رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاستقلال والتحرر الثقافى فى فكر أنور عبدالملك

يستكمل هذا المقال تقديمي لعدد من الأفكار الرئيسية لمفهوم النهضة في فكر واحد من اهم المفكرين المصريين في النصف الثاني من القرن العشرين وهو د.أنور عبد الملك الذي صدرت له عشرات الكتب والدراسات. كان عبد الملك مفكرا وطنيا مجددا، استفاد من إنجازات الفكر والحضارة الغربية ولكن دون ان يقع في براثن التسليم المطلق بأفكارها، او اعتبارها النموذج الوحيد للتقدم والنهضة.عرضت في الأسبوعين السابقين لمفهوم النهضة ولدور الدولة والجبهة الوطنية المتحدة في تحقيقها، وأتناول اليوم موضوع الاستقلال الوطني وارتباطه بالتحرر الثقافي والحضاري في فكره.

كتب عبد الملك في كتابه: من أجل نهضة حضارية, ان العالم يتكون من حضارات، ومناطق ثقافية، ووحدات قومية أو دول، ودفعه هذا التصور إلى الاهتمام بدراسة الحضارات الأخرى خصوصا حضارات الشرق في الصين واليابان، وكان من أوائل الذين نبهوا إلى التحول التاريخي الهائل الذي يشهده العالم، وانتقال مركز الثقل والنفوذ الى آسيا.

وفي هذا السياق، ربط بين الثقافة والجيوبوليتكس فيما اسماه الدوائر الجيوثقافية، ودعا العرب إلي توجيه أبصارهم صوب الشرق والاقتراب من القوى الصاعدة في العالم، وإن على مصر – والمنطقة العربية – التعلم من جيرانها الآسيويين وإحياء روح باندونج، وهو يشير هنا الى اول مؤتمر لمجموعة الدول الافريقية-الآسيوية التي عقدت اجتماعها في مدينة باندونج الإندونيسية في ابريل 1955، وهو المؤتمر الذي شارك فيه جمال عبد الناصر، وكان له تأثيره الكبير على مسار تفكيره في السنوات التالية.

ويذكر في كتابه «ريح الشرق» ان ادراكه لأهمية الشرق نبعت من خبرة مؤتمر الطلبة الشرقيين الذي انعقد في عام 1932،وانه حرص على تذكير الجيل الجديد من الشباب بأسماء الرواد مثل د. عبد الرزاق السنهوري وأحمد أمين وعبد الوهاب عزام وصولا إلي كمال الدين صلاح ومصطفى الوكيل وفتحي رضوان، وكلهم من الذين ارتبطوا بهذه الفكرة على نحو أو آخر. والحقيقة، ان جذور الاهتمام بالشرق في الفكر المصري تعود الى منتصف عشرينييات القرن الماضي عندما تأسست «جمعية الرابطة الشرقية» برئاسة الشيخ عبد الحميدالبكري، وكان الشيخان رشيد رضا ومحمد الغنيمي التفتازاني، واحمد شفيق باشا أعضاء في مجلس إدارتها، وهدفت الى توثيق الصلة بين البلاد العربية والبلاد الإسلامية.

يقول عبد الملك ان الدولة التي تستطيع السير في طريق النهضة لا بد أن تكون مستقلة، وأن تنطلق من مقوماتها الذاتية، مؤكدا أن الاستقلال الحضاري والثقافي هو ضرورة لاستكمال الاستقلال السياسي. حذر مبكرا في مقال له عام 1963 من اخطار الاستعلاء الغربي والتمركز الاوروبي حول الذات، لأنه مظهر للهيمنة الغربية. داعيا الى ضرورة التخلص من هذه الهيمنة حتى لا تتحول مصر والدول الأخرى الى مسخ حضاري لا معني له ولا هوية. أكد عبد الملك الخصوصية الثقافية والهوية الوطنية وضرورة التمسك بهما لتحقيق تماسك الأمم، وانتقد التعريفات المبالغ فيها عن العولمة التي اشارت الى ان كل الشعوب سوف تندمج في بوتقة واحدة، مبيناً أن تقليد الغير يؤدي إلى مزيد من التبعية والتخلف وتكريس الهيمنة، فالنهضة تتحقق بالتمسك بالشخصية الوطنية والثقافية ، باعتبارها ركيزة الاستقلال، ومن امثلة ذلك حدث في الصين وفيتنام.وأشار الى ان من حق كل أمة ان تختار طريقها وتبلور شكل مؤسساتها بما يتفق مع ظروفها وأوضاعها، وانطلاقا من فكرها الوطني.

وعلى سبيل المثال، فالديمقراطية ليست هي الإجراءات الشكلية المتصلة بالتصويت والانتخابات والفصل بين السلطات وحسب، ولكن أيضا أن تعمل الحكومة لخدمة مجموع الشعب وبالذات الطبقات الأقل قدرة. واتصالا بذلك، رفض في مقال له بمجلة الهلال عام 1995 التعريفات الغربية عن الطغيان،مثل الربط بين وجود الدولة المركزية القوية، أو أنه يظهر مع ازدياد مكانة الجيش في النظام السياسي، أو أنه نتاج للأصولية الدينية.

وفند هذه الآراء موضحا أن الطابع المركزي للدولة ودور الجيش فيها هو سمة للدول ذات التكوين القومي العريق، ففيها يتمتع الجيش بشرعية تاريخية وهو صاحب الدور الأول في توحيد الأمم وصيانة استمرارها وحماية تقدمها. كما أن الطغيان لا يرتبط حتماً بالفكر الديني وأن هناك خلطا بين الأصولية والعودة إلى الجذور دفاعاً عن الخصوصية الثقافية ورفضا للاستيعاب والمسخ الحضاري.ووصل من ذلك إلى أن الطغيان هو طريقة ممارسة السلطة الاجتماعية، فهو أن يكون اتخاذ القرار، وتنفيذه، والفئات المستفيدة منه في يد حلقة ضيقة من المنتفعين على حساب الأغلبية الشعبية. ويتضح من كتابات أنور عبد الملك انه حدد اهم معالم الخصوصية المصرية في العلاقة الوثيقة بين شعب مصر ودولته وبين جيش مصر وشعبها، وفي التلاحم بين رجال الفكر والسلاح، وفي التفاعل بين فئات المجتمع المصري وطبقاته ومدارسه الفكرية.

وهكذا، تتكامل أفكاره في سبيكة ذهبية واحدة، تشمل ان الدولة هي رمز الوطن، وان مصدر قوة الدولة يكمن في الجبهة الوطنية المتحدة بين قوى المجتمع الفاعلة وبين الشعب والجيش، وان العدل أساس الملك بمعنى ان دولة النهضة تسعى لخدمة أوسع دائرة من المصالح الشعبية، وان التمسك بالشخصية القومية والهوية الثقافية يمثل حماية للاستقلال الحضاري ولحرية التصرف والسلوك في السياسة الخارجية. وبهذا تتحقق النهضة عند أنور عبد الملك.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: