رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ادوار بلهاء

صخر صدقى;

قليلة هى المرات التى يرتعد فيها من السعادة، وقليلة هى المرات التى يفكر فيها فى ترتيب سريره، أو فى إزالة الغبار الذى يغطى أسطح الأشياء المهملة. عندما يكون فى حالة مزاجية رائقة يزيل الغبار، يعيد ترتيب الأشياء، يستفها بعناية فى أماكنها، يغنى، يرقص، يحادث نفسه فى مونولوج بطبقات صوتية متعددة تتدرج من الهمس الخافت إلى الصياح المحتد، يعيش دور من يقوم بالتمثيل فوق خشبة مسرح بدون جمهور. يستهويه أن يلعب مع نفسه أدوارا حياتية مختلفة، الأبله والفيلسوف والفنان والصعلوك، يتلاعب بالشخوص فى حوارات ومناورات كلامية جادة وهزلية، الطيب والشرير. وفى كل لقاء له معها يلعب دورا من هذه الأدوار. فى آخر لقاء بينهما اختار أن يلعب دور الرومانسى وهو الدور الذى تمنى وهو طالب أن يلعبه على خشبة مسرح الكلية ولكنهم وهم يوزعون الأدوار خصص المخرج له دور الخادم، قبل الدور على مضض حتى لا تنتفى عنه صفة الممثل. فى ذلك اليوم وبشهادتها أجاد تمثيل الدور، قابلها بابتسامة نبيلة راقية على وجهه، بإيماءات، بلفتات وحتى بلمسات محسوبة، راح يتملى فى ملامحها بنظرة حالمة، ينتقى كلمات الغزل الصافية، يلفت نظرها إلى الأشياء الجميلة من حولهما، يحادثها بلهجة مهذبة عن مشاعره نحوها، يحرك يده فى نعومة وحساسية قائد أوركسترا، وكان سعيدا بأنه من أكثر الأدوار تأثيرا عليها، لأنها على غير المعتاد أطالت من فترة جلوسها معه، وقبل أن تتركه قالت له مشجعة: «من أفضل أدوارك»، وحتى لا تلصق الصفة به، وحتى لا تركن إلى أى فكرة مضللة عنه بأنه رومانسى حالم قال معقبا: «ليس إلا دور بشكل مؤقت»، وعندما قالت له أنه سيكون من العسير عليها أن تقف على هويته الحقيقية من خلال كل تلك الأدوار، رد عليها مؤكدا بأنه لم يلجأ إلى لعب هذه الأدوار إلا من أجل أن يقدم لها نفسه فى كل أحواله. فى هذا اليوم الذى يترقب فيه وصولها وفى أثناء تفكيره فى أى الأدوار يختار، تلقى رسالة بهاتفه الجوال من مجهول، أصابه وجوم وهو يقرأ محتواها «سوف تندم لو فتحت لها بابك». أعاد قراءة الرسالة أكثر من مرة، ما هذا السخف؟ ولماذا فى هذا التوقيت بالذات الذى يترقب فيه وصولها؟ جرب أن يطلب الرقم المجهول، لم تأته أية استجابة، حاول عدة مرات بدون طائل. من يكون هذا الكائن المريض الذى يجهله ولا يقدر على الإمساك به؟ لم تكن الرسالة فى حد ذاتها مصدر انزعاجه، ولكن الرغبة العدوانية المضمرة من وراء إرسالها. شيء مزعج أن يصبح هكذا وبدون سبب مرصودا من مجهول ينغص عليه فرحته، يستثيره فى هذا التوقيت بالذات الذى يتوافق مع الموعد المتفق عليه لوصولها. فكر انها ربما بطريقتها العفوية سربت نبأ الزيارة. أخذ يقلب فى ذهنه كل صور الأشخاص الذين من الممكن أن يضمرون له الشر وهو لا يضمر الشر لأحد، من منهم الأكثر حقدا عليه بينما لا يحمل هو ضغينة لأحد! لا يستقر تفكيره على شخص بعينه يرغب فى تدمير علاقته معها! لم يستبعد احتمال أن يكون خارج دائرة من يعرفهم، بل ربما يكون هو الاحتمال الأقرب للحقيقة، تعكر مزاجه، كم هو بغيض أن يسمح بهذا العبث أن يخلف أثرا من مرارة قد بدأ يشعر بها بالفعل على طرف لسانه، يخشى أن تفسد المذاق الحلو للقاء دائما ما يترقبه فى شغف ومحبة ولهفة. مع تبدل مزاجه تبلور فى ذهنه الدور الذى كان يفتش عنه للقاء اليوم، سوف يلعب دور المتشكك، دور من يؤلمه هاجس الغيرة. ارتدى زيه العادى وجلس ينتظر. مع أول رنة جرس جرى إلى الباب وأسرع بفتحه، ليلمح ظهر شخص يخطو مبتعدا، صعد السلالم خلفه فى محاولة للتعرف عليه، وجده يدق جرس الشقة فوقه مباشرة، عندما تلاقت الأعين استدار يهمهم بكلمات الاعتذار.

أعاد قراءة الرسالة مرة أخرى، أى دور هذا الذى يجد نفسه مساقا إلى لعبه! ولماذا يشغل باله بهذه الرسالة الغبية؟ رنة الجرس التالية كانت هى. قبل أن يفسح لها الطريق إلى الداخل وقف برهة يراقبها وهى ترجع خطوة إلى الوراء وتنظر خلفها فى ريبة من يتوقع الأذى، سألها: «هل هناك من يتبع خطواتك؟»، تجاهلت السؤال وهى تتقدم إلى الداخل. جلست على أقرب مقعد صادفها وراحت تتجول بعينيها تكتشف الأشياء الجاذبة لتثبت عينها عليها، لم تجد شيئا جديدا جاذبا فثبتت عينها على عريس المستقبل الذى كان يمعن النظر فى ملامحها وكأنه يتعرف على عروس المستقبل لأول مرة: «هل هناك شيء تخفينه عني؟»، لم تستطع تجاهل رنة التشكك الواضحة فى رنة صوته «أى دور هذا الذى تلعبه اليوم؟». رد على الفور: «دور الغيور»، وكان على وشك أن يطلعها على الرسالة التى تلقاها من مجهول عندما رن جرس الباب. ومن يكون هذا السخيف الذى يريد أن يفسد اللقاء ويقطع عليهما خلوتهما! تردد فى فتح الباب وهو يغمغم فى قرف: «أخشى أن يكون أحد المتطفلين». ردت عليه: «أن تفتح وتعرف أفضل من أن تظل تخمن». رن الجرس مرة أخرى، بكل غضبه اندفع فى اتجاه الباب، أدار المقبض وفتحه. فوجئ بمن يزيحه عن طريقه بدفعة قوية فى صدره آلمته. وقف مبهوتا وهو يرى الشاب الذى يدفعه وهو ينقض على فتاته يجذبها من يدها إلى خارج الشقة، وقبل أن يفيق من صدمة ألمه ومن ذهوله وجدهما قد ذابا فى الهواء. وما يراه أشد غرابة من السرعة المذهلة التى جرى بها المشهد وكأنه لقطة خاطفة فى فيلم سينمائى هو سهولة انقيادها، لم يبدر عنها أى صوت استغاثة أو أى لهجة اعتراض، هل صرخت ولم يسمعها! هل أشلت الصدمة حركتها مثلما حدث معه! ولماذا لم يتدخل لإنقاذها! وكان أقل ما يمكن عمله هو التصدى لهذا الدخيل الذى اقتحم بيته وانقض على فتاته، ما الذى جرى وكيف اختفيا فى لمح البصر، هل وخزه فى بطنه بخنجر وقادها وفوهة المسدس خلف ظهرها؟!.

تركاه يعرى صدره ويفتش عن موضع الألم، ولكن لا يوجد أى أثر لجرح أو لدماء، لم تكن إلا دفعة مدروسة من مجرم مخضرم يعرف أين موضع الألم ليلهيه ويشتت ذهنه عما يجرى تحت بصره وسمعه، الألم أعمى بصره وصم سمعه. اعتراه سيل عارم من احتقار الذات ومن القلق المطلق، استبدت به الحيرة بين أحاسيس متباينة، الإحساس بالقهر لتقاعسه غير المفهوم عن التدخل فى الوقت المناسب، الشعور بالغيرة من هذا الشاب المجهول الذى بدا من جرأته بأن له سلطة عليها، ثم يجيء الدور على الإحساس المر بهاجس الخديعة، من يخدع من؟! استبعد من ذهنه أن تكون تمثيلية تحاول بها تقليده فيما يؤديه معها بشكل منفرد من أدوار. وجد أن أكثر ما يناسبه وهو فى هذه الحالة المزرية من التخبط أن يلعب مع نفسه دور الأبله، وربما يكون هو أكثر الأدوار التى يجيدها، فهو دائم الاعتراف بينه وبين نفسه بأن البلاهة هى السمة الغالبة على طباعه، الركون إلى بلاهته يعفيه من تقاعسه عن اتخاذ موقف حاسم من الشخص الذى اقتحم الشقة. أخرج الراديو الصغير الذى يحتفظ به فى درج الكراكيب بدولاب المطبخ وضبطه على محطة الأغانى، أخذ يقلب فى الكراكيب التى ورثها عن أمه فى محاولة لفهم الغرض من الاحتفاظ بها بدون داع، يخاطب كل قطعة خردة عفى عليها الزمن وهو يعير أذنه للأغنية البلهاء التى ألقت الإذاعة بها فى طريقه، خرس صوت الراديو بعد حشرجة موت الحجارة، ومن بعيد وصلته أصوات الباعة الجائلين، شرع يحاكى نداءاتهم بطريقة مع كونها هزلية لكن بالنغمة نفسها. لم يعفه دور الأبله من الإحساس بالمهانة. حاول أن يطمس معالم المشهد الردئ وهو يسترجع رد فعله الذى اتسم بالشهامة فى موقف مماثل له فى بداية تعارفهما.

لم يكن قد ابتعد بضع خطوات عن البحر حتى وجد فتاة فى سن المراهقة تسد عليه الطريق وكأنها تعرفه، تغمغم بكلمات مرتبكة مضغومة، والغضب باد على وجهها، لم يدم تساؤله طويلا عن نوع المساعدة التى تنتظرها حين لمحه فى اندفاعه الأهوج ينقض عليها، يشدها من يدها، ويجرها بالرغم عنها فى اتجاه عربة كانت قد ركنت بجوار الرصيف، لم يفكر طويلا، وجد نفسه يتصدى للشاب بصرخة لا يعرف كيف انطلق صوته كالقذيفة وهو يخلصها بسرعة من قبضته، أخذ بيدها وسار معها متجاهلا ما يحدث من وراء ظهره من كلمات تهديد ووعيد. لم يكن مستعدا لخوض معركة سخيفة، ولم يلتفت وراءه حتى يجعل الأمر يبدو وكأنه يعرف الفتاة. طلبت منه أن يشير إلى تاكسى بالوقوف، بأنفاسها المتقطعة راحت تتمتم بكلمات الشكر. كادت تتعثر وهى تخطو نحو التاكسى وعينها لاتزال منجذبة لعينيه. وهى تلوح له بيدها من داخل التاكسى فوجئ بفتاة عشرينية تتقدم نحوه، تحييه بإيماءة من رأسها، تبادر بالكلام وهى تثنى على موقفه من المراهقة التى ساعدها، قالت تبرر إقحامها نفسها على هذه الصورة غير المتوقعة: «لقد فعلت ما لم أقدر على فعله لإنقاذ الفتاة من هؤلاء الأوغاد». وكانت بداية لصداقة أخذت فى التطور حتى وصلت إلى الخطوبة. كان شهما عندما تعارفا، فما الذى جرى لتنشل إرادته؟!

فى أثناء اندماجه فى اهتزازاته البلهاء اخترق أذنه رنين جرس الباب. استجمع كل حنق اليوم فى حزمة غضبة هائجة دفعته بعنفوانها تجاه مصدر الرنين. فتح الباب، كانت هى بملامح متجهمة ساخطة، وهى فى لهاثها باغتته بغلظة هياجها: «أين شهامتك، تتركه بهذه البساطة يجرنى كالذبيحة من شقتك تحت سمعك وبصرك؟!». ولأنها كانت دوما مهذبة فى تعاملها معه، بات عليه أن يمحو تلك البقعة السوداء التى أفسدت لهجتها وشوهت انطباعها عن شهامته التى كانت سبب تعارفهما، رد عليها بالهياج نفسه: «استسلامك الغريب له شل تفكيرى. من هو؟»، «وما فائدة أن تعرف هويته الآن ولم تتصرف فى حينه؟». وكأن عقله انفلت لم يعد يعرف أى دور يقوم به فى هذه المواجهة، لقد أثارت حنقه، وما فائدة أى دور! لم يستطع مع كل الأدوار التى تقلب بها عليها أن يتعرف على خفايا سرائرها، ولا أن يكشف هذا الجانب الدفين الذى يراه فى هذه اللحظة بعيدا كل البعد عما انطبع فى ذهنه عن رهافة حسها، يبدو أن ما جرى قد جردها من كل ما أضفاه عليها من صفات تتسم بالنبل والصدق، كان مجرد التفكير فيها يجلب عليه الفرح والمتعة، انقلب الحال مع إحساس مر بالفتور والإهانة، قرب وجهه المتجهم منها: «بالتأكيد تعرفينه. أنا واثق من ذلك لأنك انقدت إليه بسهولة»، شبكت يديها وراء رأسها، مدت ساقيها عن آخرهما، ردت فى ثقة: «لقد قاومته بكل ما لدى من قوة، كيف فاتك ملاحظة ذلك؟ ولماذا بدلا من أن تخلصنى منه تلقى بالتبعة عليّ وتتهمنى بالاستسلام؟». تحير كيف يبرر شلل موقفه غير أن يؤكد ثقته بمعرفتها الوثيقة به. ولأنها لم ترغب فى التمادى فى الكذب ردت: « ثقتك فى محلها. أعرفه، لكن ليست معرفة وثيقة كما يصورها لك خيالك. معرفة سطحية».

تذكر الرسالة التى وصلته تحذره من لقائها، ناولها هاتفه الجوال مفتوحا على الرسالة: «هل هذا رقم هاتفه؟»

لم تبد دهشة أو انزعاجا فى أثناء قراءتها الرسالة، أعاد عليها السؤال، ردت: «لا أستبعد أن يكون هو رقم هاتفه». ويبقى السؤال الذى يحاول أن يجد ردا مقنعا عليه، السرعة التى رجعت بها: «ما الذى حدث؟ كيف تخلصت منه ورجعت بهذه السرعة؟». بضحكة غريبة ردت: «عادى. قلت له شكرا على اتقانك تمثيل الدور ودفعت له أجره».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق