رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«مخاوف نهاية العمر» ورحـلة البحـث عن معنى

من قلب عالم شديد الخصوصية؛ عالم المدن الصغيرة، والبشر فى هذه الأماكن المتأرجحة بين الريف والمدينة خرج علينا الكاتب والروائى عادل عصمت من جديد بمجموعة قصصية بعنوان «مخاوف نهاية العمر»، صادرة عن دار الكتب خان، بعد عدد من الروايات الممتعة، ليأخذنا هذه المرة فى جولة من خلال سبع قصص للتعرف على حكايات أبطالها ونحن نراقب عالمهم الداخلى بدقة وهدوء؛ كيف يواجه هؤلاء البشر التحديات والمخاوف للنهاية.

 

قبل الدخول لعالم القصص يخطفك غُلاف الكتاب بصورة الشجرة الممتدة الجذور لتبدأ التساؤلات؛ هل هذه الشجرة تحمل ملامح البشر وحكاياتهم أم أنها إحدى شجرات الصفصاف العتيقة التى اعتاد الراوى أن يستظل بأغصانها وهو يتفقد البيوت، وينصت بحب لأرواح أهلها المنهكة العابرة لتلك الشوارع والغيطان حتى الوصول لطموحاتهم الصغيرة، وكذلك نزواتهم وخيباتهم عبر سبع حواديت متفاوتة الحجم. من أول وهلة والقارئ أسير عالم قصص عصمت الأقرب فى سردها للرواية بتفاصيل مُتقنة للزمان والمكان والأشخاص؛ سيمتزج مع اللغة البسيطة ذات الإحساس السلس من قلب الواقع دون خدش بنية السرد، أو هدم حضور اللحظة والفكرة المحورية. بنبرة قص منتقاة الكلمات يفتح الراوى الستار أمام أعين القارئ ليتأمل أولى الحواديت مع تساؤلات عم نسيم بطل «قصة الفجر» التى قدمت رؤية جديدة لأصعب لحظات السجن؛ وكيف أن تكرار عم نسيم لقصة الفجر المفقود بين ثنايا الحوار أصبح لغزا أساسيا حتى جاء الرد فى آخر سطر «لولا السجن لما عرف المرءُ معنى الفجر». ومن قال إن الإحساس بثقل مرور الأيام داخل السجن فقط؛ فهناك أناس داخل سجن بلا قضبان، يشعر به القارئ هنا بقوة مع محمود بطل قصة «الوطن» الذى يعيش نصف حياة مغلفة بالإحساس بالألم المستمر؛ الذى يمنحه الخلود وينقله معه حتى فى السفر.

يستمر الراوى فى السرد لنصل لقصة «زينب فخر الدين» ومحاولتها البحث عن معنى لحياتها القاسية التى ملأتها أحكام الناس بالظلم والقهر، الفتاة الريفية التى قالوا عنها إنها مسكونة بالجن، لكنها كانت مسكونة بأوجاع وفقد القيمة، ومن ثم ذهبت لترتمى بين أحضان النيل لتستعيد الخفة التى فقدتها فى الحياة بالموت. «ولست أطمع فى أكثر من أن أموت موتًا له معني».. عبارة للروائى الراحل نجيب محفوظ اختارها عصمت وهو المتيم بـأدب محفوظ ليروى لنا رحلة البحث عن معنى الحياة فى حكاية «حديث مريم» التى تدور باحثة عن التفاصيل وراء خبر استشهاد إبراهيم عيد فرحات لتجد فى النهاية معنى لحياتها، حتى فى حكى والد إبراهيم البسيط نرى أن هناك أشياء حولنا تبدو عابرة فى وقت ما، ولكنها تصف معنى الحياة فى لحظة أخري. ومن هذا المشهد الذى يرسم الحياة من قلب الموت لمشهد من قصة أخرى داخل الحياة يهتف بقوة إن كان هناك من أدرك معنى الوقت والحياة فهناك من فات أوان معرفته مثل الدكتور ياسر حجازى فى قصة «لن أتذكرك أبدا»؛ وهناك من يحارب للحفاظ على المعنى مثل الست عنايات السيدة العجوز بطلة قصة «مخاوف نهاية العمر» التى تقف فى وجه أبنائها وأحفادها كالوتد رافضة بيع البيت وقتل معنى العائلة. نجد أن القارئ داخل هذه المجموعة القصصية دائما فى محاولة ترقب للموت بأشكاله المختلفة مما يغزل الشجن بين الأحداث؛ نلتقى بالموت بطريقة مفاجئة كما فى «قصة الفجر» و«حديث مريم» وأحيانًا نترقب حدوثه كما فى «زينب فخر الدين» و«مخاوف نهاية العمر» وأحيانًا أخرى يكون موتًا معنويًا لشخصيات توقفت عن الحياة وتحيا بقوة العادة وهى دائمة النظر ورثاء الطريق الذى لم تسلكه كما فى قصة «رياح الخماسين». ومن قصة لأخرى نكتشف شيئا فشيئا أن قصص عصمت شأنها شأن رواياته؛ قادرة على معايشة الحياة بتفاصيلها لإدهاشنا بما هو بسيط وإنساني.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق