رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رسالة إلى الشعب الإثيوبى

خطأ كبير أن يُصنف أحد كلمات الرئيس السيسى عن حقوق مصر فى مياه النيل وعدالة قضيتها فى الخلاف الناشب مع الحكومة الإثيوبية بأنها نوع من التهديد، فمصر ليس من عاداتها أن تهدد أو تتوعد أو تُنذر، وإنما هى تُوضح وتُفسر وتنصح، فالمصريون طول تاريخهم شعب محب للسلام والخير، تعلموا ذلك من طبيعة الأرض المنبسطة التى عاشوا عليها من قديم الزمان، ومن عطاء النهر الذى أمدها بالحياة، فعشقوه وتغنوا به وكتبوا فيه الملاحم والقصائد، كما لم يكتب شعب فى نهر.

وكان الرئيس السيسى حريصا فى بدء كلامه على استخدام كلمة التفاوض باعتبارها خيار مصر، وقال بالنص: معركتنا معركة تفاوض، وحدد بدقة القواعد العامة التى يتحرك فيها هذا التفاوض: أن يكسب الجميع، وألا تخرج النتائج عن القوانين الدولية المعمول بها فى مياه الأنهار العابرة للحدود.

والجميع هنا مقصود به إثيوبيا والسودان ومصر، وهذه رسالة سلام ولا يمكن أن تتجاوز هذا المعنى بأى مسافة مهما صغرت.

ولأنها رسالة سلام اختار الرئيس توقيتا رائعا، وهى الساعات التالية لتعويم السفينة ايفر جيفن من جنوحها فى مدخل قناة السويس الجنوبي، وأنظار العالم أجمع مشدودة إلى أهم ممر مائى على كوكب الأرض، ليكون شاهدا على الرسالة ومشاركا فيها، أى كان حديثه موجها إلى النظام العالمى بمؤسساته وهيئاته وحكوماته وشعوبه.

لماذا؟

لأسباب كثيرة أهمها أنه ينبه إلى حسابات خاطئة تعترض مسيرة التفاوض الذى يكسب منه الجميع، وفق القوانين الدولية، لأن الملء الثانى للسد الذى أعلنت عنه إثيوبيا، دون تحديد معايير هذا الملء وفق شروط ملزمة لأطراف التفاوض هو نوع من العدوان على حقوق الشركاء فى النهر، وقد تتحمل مجتمعات ودول بعض العدوان على حقوقها إذا كان هذا العدوان لا يمس حياتها مسا مباشرا، ولا يدفعها إلى الاختيار الصعب بين المواجهة والسكوت، الحياة والموت، الاستمرار والفناء، وفى هذه الحالة يجب أن يكون المجتمع الدولى شاهدا وشريكا.

ثانيا: لا يوجد على كوكب الأرض ما هو أغلى من المياه، إلا الهواء وهو مشاع لا يمكن السيطرة عليه، وأى نقص فى المياه يهدد بالضرورة حياة البشر، وكلنا يعرف معاناة الإنسان حين تقل الأمطار فى بعض المواسم أو يضرب الجفاف منطقة ما، وقد تألمت إفريقيا كثيرا من ظاهرة التصحر فى قوت سكانها ومازالت آثارها ممتدة إلى الآن.

وشىء طبيعى أن يقول رئيس مصر أمام العالم أجمع: ما حدش يقدر ياخد نقطة مياه من مصر، واللى عاوز يجرب يجرب، لأن نقطة المياه تعنى أرضا بائرة وبشرا عطشى وجوعى، فمن يقبل على بنى وطنه هذا الوضع شديد الخطورة على حياتهم؟

نعم هو لا يهدد وإنما يرفض وضعا جائرا لا يستند إلى أى قوانين أو أعراف دولية..لأن أغلب أنهار العالم الكبرى هى عابرة للحدود ويتشارك فيها سكان الكوكب إلا نادرا، ربما فى قارتى أمريكا الشمالية واستراليا، فكل قارة فيهما تكاد تكون دولة وحدها.

وفى حالة تعرض دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة للعطش والجوع، فمن المؤكد أن الاستقرار سيغيب تماما عن المنطقة التى تقع فيها هذه الدولة، وقد يتوسع عدم الاستقرار إلى دول تبعد عنها آلاف الأميال، فما بالك لو كانت هذه الدولة تقع فى قلب العالم؟

قطعا لن يتحمل العالم وضعا كهذا، لأن الثمن سيدفعه الجميع. ويبدو أن الحسابات الخاطئة مرجعها سوء تفسير من جانب الحكومة الإثيوبية لسعة صدر مصر، خاصة فى السنوات الخمس الأخيرة، فالتفسير الساذج يظن أن سعة الصدر ضعف وعدم قدرة، فما الذى تقدر عليه مصر إذا كانت الشركات التى تبنى السد الإثيوبى تملكها دول قوية، وبعض الممولين من العرب، أى منهم فيهم ويدركون كل الدروب والمسالك التى ينتهجها المصريون ولا يمكن أن يغامروا بأموالهم فى مشروع تتأخر عجلة دوران العوائد فيه من سبع إلى عشر سنوات. لم تستوعب الحكومة الإثيوبية مغزى سعة صدر مصر وصبرها على المماطلات التى اتخذت أشكالا تجبر أشد الناس حلما على إعلان الغضب العنيف، وبما أنها صبرت على كل ما نفعله، فلم لا نكمل الطريق إلى منتهاه ونملأ السد بالطريقة التى نحقق منه أكبر عائد ممكن، وبدلا من أن يكون مصدرا لتوليد الكهرباء كما أعلنا فى البداية، نحوله إلى بنك مياه، تقترض منه مصر أو السودان بشروطنا وبالفوائد التى نفرضها.

لم تفهم الحكومة الإثيوبية أن صبر مصر على الأساليب المعوجة هو من صلب شخصيتها المتسامحة وحسن نواياها وفهمها التاريخى لمعنى الجوار الآمن والتعاون البناء، ومد الأيدى بالخير لقارتها، وفى الوقت نفسه هو نوع من نزع الحجج والذرائع والأقنعة عن صاحب الحسابات الخاطئة لو أصر على السير عكس الاتجاه الصحيح. المدهش أن الجانب الإثيوبى لم يعمل لمصلحة الشعب الإثيوبى كما حاول أن يروج بين مواطنيه باللعب على أوتار التعصب والعنجهية القومية، لأن التنمية الحقة تقترن بالتعاون لا بالتحدى بالتشارك لا بالخصومة، وتدوم باتفاقات وتفاهمات علمية وتجارية وصناعية عميقة، لا بالانفراد بقرارات عنترية تجبر الطرفين المشاركين فى النهر على الدفاع عن نفسيهما ضد الأخطار التى تهدد وجودهما، لم تفكر الحكومة الإثيوبية فى الإجابة عن سؤال حتمي: ما الذى يمكن أن يفعله هؤلاء المهددون فى حياتهم لو مسهم الخطر جديا؟، ولم تسأل نفسها: إذا كنا ندافع عن السد بهذه الكيفية المتشددة ونحن نعمل على تحسين معيشة مواطنينا فقط فكيف يكون رد فعل مصر إزاء ملء السد بطريقة تعرض أهلها لخطر الجفاف الرهيب سنوات؟

هل عرفتم الآن لماذا قال الرئيس المصري: لا مساس بمياه مصر، وهى خط أحمر، وما حدش يتصور أنه بعيد عن قدراتنا. كان الرئيس يجيب بجدية عن السؤال الذى لم يجب عليه أصحاب الحسابات الخاطئة إجابة صحيحة . نعم..كلمات الرئيس هى رسالة سلام وليست تهديدا أو وعيدا، هى دعوة إلى الحسابات الصحيحة التى يكسب منها الجميع، لأن الحسابات الخاطئة سوف يخسر فيها الجميع.


لمزيد من مقالات نبيـل عمــر

رابط دائم: