رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«السلفيون».. وموكب المومياوات؟!

محمد شعير;

أخناتون قائد ثورة الإصلاح الدينى لأجل التوحيد.. مسح لفظ «الآلهة» من المعابد

الأناشيد: «ما أكثر تعدد أعمالك وهى على الناس خافية.. يا أيها الإله الأحد الذى لا يوجد بجانبه شأنٌ لأحد»



بصراحة.. دون مقدمات.. نحن نطرح السؤال: هل سيحتفل «السلفيون» مع الشعب المصرى - بل العالم- بموكب نقل المومياوات الملكية من المتحف المصرى فى ميدان التحرير إلى متحف الحضارة؟!. لا نهدف من طرح السؤال إلى إثارة الفتنة، إنما محاولة الحديث فى المسكوت عنه، ولعل السؤال الأدق - والأشمل- هو: لماذا تكره تلك التيارات التى تسمى نفسها بـ «السلفية» - ليس فى مصر وحدها- كل ما يتعلق بالحضارة الفرعونية؟!.

إذا قلتَ لهم إننا نعبدالله الواحد، وأننا نحتفى بما خلَّفته هذه الحضارة من منجزات خالدة، قالوا لك إن الآثار مجرد حجارة وأن الفراعنة ليسوا سوى ملاحدة.. لكننا هنا سننحى بالحديث معهم منحى آخر، لعل وعسى.

..............................................

أخناتون!.. هل يعرفون أخناتون؟!.

إنه أمنحتب الرابع، من ملوك الأسرة الثامنة عشر، الذى حكم البلاد فى الفترة ما بين عامى 1370 و1352 قبل الميلاد، وهو الذى قاد ما يمكن تسميته بـ «ثورة دينية» فى ذلك الوقت المبكر، قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف وأربعمائة عام، بحثا عن الإله الواحد.

وُلد أمنحتب الرابع فى فترة كان أسلافه فيها يوجهون اهتمامهم إلى عبادة إله للشمس اسمه «رع» برغم تعظيمهم «آمون» واعتباره الإله الأعظم لكل الدولة، فرأى التناقض الغريب بين تعاليم الكهنة حول الآلهة المتعددة، واعتبر أن من الخبل أن يعبدآلهة فى صورة حيوانات، خاصة «آمون» الذى كان يصور فى صورة كبش، وعندما تولى عرش البلاد وجد أن الأمور مهيئة نوعًا ما لعبادة إله الشمس وحده، ورمز له بقرصها الذى سماه «آتون»، وبنى له معبدا فى «طيبة» عاصمة المُلك، فلم يغضب الكهنة فى البداية، لكن ما حدث بعدها أنه شرع فى شن ثورته!.

أصر على اتخاذ «آتون» إلها واحدا للإمبراطورية المصرية، وتحريم عبادة «آمون» وغيره من الآلهة الأخرى، ونجح فى نشر مذهبه فى طول البلاد وعرضها والقضاء على المذاهب الأخرى، وأغلق كل معابد «آمون» - الذى كان يكرهه بشدة- ومحى اسمه أينما وُجد فى نقوشٍ على آثار طيبة وحطم تماثيله، ثم فعل الشيء ذاته بالنسبة لكل الآلهة الأخرى، بل محى لفظ «الآلهة» بصيغة الجمع فى كل المعابد حتى لا ينصرف ذهن الناس إلا إلى إله واحد.. وحتى اسمه هو شخصيا قام بتغييره.. لأن اسم «أمنحتب» يعنى أن «آمون راضٍ «أو مسرور»»، لذا فقد غيَّر اسمه إلى «أخناتون» أى «آتون راضٍ»، وذلك بهدف محو اسم «آمون» نهائيا، حتى أنه أزال اسم والده من النقوش على الآثار لأنه كان «أمنحتب الثالث».

وهجر أخناتون مدينة «طيبة» برغم ما بها من أبهة وسيادة، وأقام مدينة جديدة سماها «إخناتون» أى «أفق آتون» - فى منطقة تل العمارنة قرب ملوى فى محافظة المنيا حاليا- نقل إليها عاصمة ملكه، لتكون معقلا حصينا لمذهبه الجديد، حتى يتمكن من نشر دعوته فى هدوء وسلام، إذ أن «آتون» لم يكن فى نظره إله مصر وحدها، بل يشمل سلطانه كل العالم.

وينقل العالم الكبير الدكتور سليم حسن فى موسوعته الخالدة «مصر القديمة» جانبا من التعاليم التى دُونت على جدران المقابر، وتضم سلسلة من الأناشيد فى مديح إله الشمس، واصفا إياها بقوله: «تلك التعاليم تُمدنا على الأقل بلمحة من عالم الفكر الذى نشاهد فيه ذلك الملك الشاب وأتباعه رافعين أعينهم نحو السماء محاولين بذلك إدراك مجال الذات الإلهية فى بهائها الأبدى الذى لا حد له ولا نهاية له».

وفى أحد أهم هذه الأناشيد نقرأ: «أنت تبزغ بجمالك فى أفق السماء.. أنت يا «آتون» الحى الذى كنت فى أزلية الحياة.. فحينما كنت تشرق فى الأفق الشرقى.. كنت تملأ كل البلاد بجمالك.. أنت جميل ومتلألئ ومشرق فوق كل أرض.. أشعتك تحيط بالأرضين حتى نهاية جميع مخلوقاتك».

كما نقرأ فى موضع آخر: «ما أكثر تعدد أعمالك وهى على الناس خافية، يا أيها الإله الأحد الذى لا يوجد بجانبه شأنٌ لأحد، لقد خلقتَ الأرض على حسب رغبتك، وحينما كنت وحيدا «لا شيء غيرك» خلقتَ الناس وجميع الماشية والغزلان وجميع ما على الأرض مما يمشى على رجليه وما فى عليين مما يطير بأجنحته، وفى الأقطار العالية «سوريا» و»كوش» وأرض مصر، وإنك تضع كل إنسان فى موضعه، وتمدهم بحاجاتهم، وكل إنسان لديه قوَّته، وأيامه معدودات، والألسنة فى الكلام مختلفة، كذلك تختلف أشكالهم وجلودهم، وإنك تخلق الأجانب مختلفين».

والأمر اللافت، والمثير، أن أخناتون - كما تكشف موسوعة «مصر القديمة»- قد أتى حقًا بمبادئ دينية سامية وآراء فلسفية عالية وخطا بالعقيدة خطوات موفقة نحو الغاية الصحيحة التى جاء بها الأنبياء المرسلون فيما بعد، إلا أن بعض النقوش المهمة التى عُثر عليها أشارت إلى أنه ليس أول مبتدع للأفكار الدالة على التوحيد، مما دفع بعض علماء الآثار إلى الظن فى أن جذور الثورة الدينية التى جاء بها إنما ترجع إلى عهد الملك «تحتمس الرابع»، أى قبل 45 عاما من حكم أخناتون، إذ ظهرت علامات لتيارات فكرية، خفية، بطيئة، مبشرة بثورة دينية إصلاحية، هدفها القضاء على الوثنية، والاعتراف بإله واحد.

وأخيرا.. قد يقول لك الآن أحد متحجرى الفكر، متصلبى العقول، الواقفين دائما وأبدا عند ظاهر النصوص، أن ما جاء به أخناتون إنما كان عبادة الشمس فحسب، لكننا على هذا نرد، فنقول: إنما كان بحثا عن الله، الواحد الأحد، رأته عقولهم وقتها - قبل ثلاثة آلاف عام- فيما يظهر أمامهم؛ ما يشاهدونه بأعينهم؛ الشمس، لكن ها هو أخناتون نفسه يصف معبوده قائلًا: «إنه القوة الكامنة وراء هذا القرص، وأنه واحد لا شريك له»، أو - كما يقول سليم حسن- أنه «من الواضح أن ما كان الملك يعبده هو القوة الدالة على وجود الشمس فوق الأرض».. أفلا تعقلون؟!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق