رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رهن الإشارة !

 

 

أنا سيدة تجازوت سن الأربعين بقليل، وقد نشأت فى أسرة طيبة، وتقدم لى شاب من قرية بجوار مدينتنا، وتمت خطبتنا ولا أخفيك سرا أنى لم أكن سعيدة بهذا الارتباط، إذ شعرت بانقباض تجاه والدته مما أزعجنى، لكن حرصه على إرضائى جعلنى أوافق عليه، وقد فعل ما فى وسعه لكى أتعلق به، وهيهات أن تهدأ والدته، فبلا سبب قالت لى إنى ضرتها، ولن يهدأ لها بال حتى تطلقنى منه وكان ذلك فى الأيام الأولى للزواج.

ومرت الأيام وسافرنا إلى الخارج، ووجدته رجلا سريع الغضب، فعند أى خطأ ـ من وجهة نظره ـ يغضب، وليس للعشرة لديه أى ثمن.. وذات ليلة فى رمضان وكنت حاملا فى ابنى الأول، عزمنا أحد أصدقائه على الإفطار، وطلبت منى زوجته أن أظل معها لأن عمل زوجى يمتد إلى الواحدة صباحا، فأردت البقاء معها، ولكن زوجى ثار ضدى، وظللنا فى شد وجذب استمر شهورا، وتوفى والداى، وأنا فى الغربة، وكان قد قال لى فى بداية زواجنا الذى تم فى بيت أهلى إن لديه قطعة أرض سوف يبنيها لكى تعيش أمه فى مكان نظيف غير البيت المبنى بالطوب اللبن الذى تعيش فيه، وفى أول إجازة لنا أمرته أمه أن يترك شقتنا، ويذهب إليها ليقضى معها الإجازة كلها، أما أنا فأجلس عند أبى لأنى لن أستطيع الإقامة فى بيت كهذا، وكنت وقتها حاملا فى ابنتى الثانية، فاقترحت عليه بناء هذا البيت لأمه، لكن ما عشته فيه جعلنى أكره نفسى وحياتى كل إجازة خاصة بعد وفاة أبى وأمى رحمهما الله، فلقد عشت الجحيم بعينه لأن حماتى طلبت أن ننتقل إلى الشقة التى تعلو شقتها ورضيت بما لم أكن أتخيل نفسى فيه، حيث أنزل كل يوم فى الإجازة وأعمل فى شقتها التى تسكن فيها أخته التى عزفت عن الزواج، وهى أكبر منى بعام، ولم أعجبهما فى شىء، وفى آخر كل إجازة أسمع ما أكره، وقد تسألنى: أين أهلك؟، فأرد عليها بأن «أخوالى» الثلاثة رحلوا عن الحياة، وليس لى أحد، أما عن أخوتى فلى أخ صغير وأخ أكبر منى حرضته زوجته على خصامنا سنوات طويلة، فكنت أبعث له الرسائل وأتصل عليه مرارا وتكرارا ولا يرد ولا يستجيب بإيعاز منها، ويتحكم فى ميراثنا من أبينا، ولم يعطنا شيئا منه.

وفى «الحراك الكبير» الذى شهدته حياتى أصبت باكتئاب شديد، واستيقظ زوجى ذات يوم وأنا أخطط لقتل نفسى وأبنائى الثلاثة، فلا ينجو أحد منا من كثرة ما فعله بي، فهو طول الوقت يحاسبنى ويقول.. إنه لم يعرف نساء وليس رجلا بخيلا، ولكنه فى الحقيقة رجل عنيف، ويصرخ فى المنزل دائما ليرهب أبناءه.

وفى إحدى نوبات حدته طلقنى، ثم تعاطف معى قليلا بعد مرض الاكتئاب الذى ظللت أتعالج منه عشر سنوات ولكنه هو ذلك الرجل الذى عايرنى بأنى بـ «برشامة»، واتهمنى بالجنون، وهو الرجل الذى كان حريصا على تفضيل كل أصحابه ومعارفه، وقد طلبت منه كثيرا أن يجلس مع أبنائه، ويخصص لهم وقتا ولكن هيهات، وعندما زرت طبيبا نفسيا شك فى أننى على علاقة به، فآثرت الذهاب إلى طبيبة أحمد الله أنها أعادت لى نفسى بعد أن يئست من كل شىء.

ومنذ عامين طلقنى للمرة الثانية لأن ابنة أخته ادّعت أننى تحدثت مع زوجة أخيها عليها بما تكرهه، وعندما هممت بترك المنزل صفعنى على وجهى، فصبرت وتحمّلت حتى يحيا أبنائى بين أبيهم وأمهم، ولكنها كانت أكبر «غلطة» فى حق نفسى وحقهم.

ما أريد أن أسألك عنه أن ابنى الأكبر يقول لى إنه لا يحبه، وابنتى الثانية لا تريد أن تتعامل معه مرة أخرى، أما ابنتى الثالثة فى الترتيب فمازالت تتعاطف معه قليلا، وأخشى على أبنائى من «دوامة العقوق».. وأحدث ما فعله أنه عايرنى بطلاق أختى التى أصيبت باكتئاب هى الأخرى، لأنها تزوجت رجلا جمع أكثر الصفات سوءا فانفصلت عنه، وقال إنى أريد أن أصنع صنيعها، ولكن يشاء الله أن يهتدى زوجها ويبكى ويطلب منها العفو، ويعود إليها نادما.

ولقد أصبت بجلطة فى القلب، وتسوء حالتى، وأنا أترقب طلاقى للمرة الثالثة، وأعيش صراعا نفسيا رهيبا، وأشعر بأنى مشوشة، وغير قادرة على ترتيب كلامى، فماذا أفعل؟

 

 

> ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

 

لا شك أن حماتك مصدر المتاعب، ولابد أن يتدخل زوجك ويحاول توطيد العلاقة بينك وبين والدته حتى تستمر حياتكما الزوجية بسلام وبأمان، وفى حالة وجود مشكلات بينكما، فإن الحل ليس بيدك ولا بيد حماتك، وإنما بيد زوجك، ولكن إذا وقف بجانبك سيخسر أمه، وإذا وقف بجانب أمه سوف يخسرك، والأنسب اتباع الذكاء الاجتماعى، وتلطيف الأجواء بينكما، وعليك أن توضحى له بمواقفك العملية وليس بشكواك وضعك مع أمه وتطلبى منه معونته فى حل هذا الخلاف ورأب الصدع ما أمكن ذلك، وإذا تأكد له صدقك ورغبتك فى إيجاد علاقة طيبة مع أمه وصبرك وتحملك فى سبيل ذلك، فإنه لا شك سيقدر موقفك، وسيجد لك الأعذار حتما ولن يكون لسوء علاقتك بها أى تأثير سلبى على علاقتكما.

إن القاعدة العامة أنه مهما أحب الزوج زوجته، فإنه فى أعماق نفسه لا يستطيع الاستمرار فى تقدير زوجة تكره أهله وبالذات أمه وقد يتغاضى عن بعض هفوات زوجته وأخطائها فى حقه.. إلا أنه لا يمكن أن ينسى إساءتها لأمه. والحقيقة أنه لا خير فى رجل لا يجل أمه ولا يقدر زوجته، ولا أتوقع من مثله أن يحافظ على أهله.

وأحذر زوجك من معاملته القاسية لأبنائه وابتعاده عنهم، فاستخدام القسوة فى التعامل معهم يقلل الجانب العاطفى والنفسى لديهم، وينشئ حاجزا من البعد بينهم، وهنا لا يشعر الأبناء بمنزلتهم فى نفوس آبائهم مما يزيد حالة التوتر والضغط النفسى لديهم، كما أن استخدام الضرب والقسوة ضد الزوجة، وعدم احترامها والتنكيل بها أمام أبنائها من الأسباب التى تزيد الفجوة بينهم وبين أبيهم، كذلك فإن أساليب الاستهزاء والسخرية والتقليد والنقد الدائم والصياح المستمر والمقارنة تثير مشاعر الكراهية فى نفوس الأبناء ضد آبائهم.

وليعلم زوجك أن أفعاله هى التى تسبب لك الاكتئاب الذى يصيب العلاقة الزوجية فى مَقتل، وذلك من خلال أحاسيس كالتشاؤم، والإحساس بالمرارة، والغضب والانعزال الاجتماعى والإنسانى، بل إن الشريك الفرحان المبتهج دائما، المقاوم للاكتئاب يمكن أن يجره وحش ذلك المرض الوجدانى إلى بئر سحيقة لا قرار لها.

أرجو أن يعى كل منكما ذلك سواء فى علاقتكما معا، ومع الأهل، وفى تربيتكما أبنائكما، ولو كان الأمر فى بدايته لنصحتك بالطلاق الفورى، ولكن بعد هذا العمر أرى أن تكون هناك جلسة أخيرة للمصارحة والمكاشفة، ووضع النقاط على الحروف، ولكن لا تستسلمى لأهوائه، فالطلاق أفضل كثيرا من حياة ذليلة، ويجب ألا تضع زوجة نفسها رهن إشارة زوجها، فيتصرف معها كيف يشاء، فوضع النقاط على الحروف يريح الجميع.

إن الميثاق بين الزوجين غليظ ويترتب عليه الثواب والعقاب من الله، ولا يمكن أن يكون بينهما حقد أو بغضاء أو حسد.

ولا تمنع المحبة والعشرة بالمعروف بين الزوجين من أن يكونا حازمين مع بعضهما فى التربية والتوجيه وخاصة من ناحية الزوج، وإذا وقع الخطأ والتقصير من أحدهما، فعلى الطرف الآخر الصفح والعفو، فلا ينسى حسنات دهر أمام زلة يوم، وعليهما أن يغضا الطرف عن الهفوات الصغيرة مع التنبيه بأسلوب لطيف ليس فيه جرح للكرامة أو إهانة.

ويجب أن تظل المشكلات والعيوب والنقائص بين الزوجين فقط، فلا يطلع عليها الأهل والأقارب، لأن هذه الحياة حياة سرية ولابد أن تبقى بينهما، فالغالب على المشاكل أنها إذا خرجت عن نطاق الزوجين فإنها تتطور وتتعقد، إلا إذا وجد الزوجان أن الحياة بينهما أضحت مستحيلة، فإن لهما أن يشركا بعض المقربين من ذوى الدين والعقل للمساعدة فى حل مشكلاتهما, بأن يوضح كل منهما للآخر من أول يوم أهدافه فى الحياة على المدى البعيد والقريب والوسائل التى يستخدمها للوصول إلى هذه الأهداف، فتكون لهما أهداف مشتركة يتعاونان عليها، كما تكون لكل منهما أهداف خاصة به، ولا بأس من أن يطلع شريك حياته عليها لكى يساعده فيها؛ ولا يقف حائلا بينه وبين تحقيقها.

ويجب أن يضع الزوجان هذه الأسس نصب أعينهما، ويسجلاها فى ورقة تكون مع كل منهما نسخة منها، فتصبح ميثاقا بينهما يراجعانه بين حين وآخر، وأن يتفقا على ألا تكون هذه الأسس والمعالم حبرا على ورق، بل تتحول إلى واقع يحاولان تطبيقه قدر المستطاع، ويذكر أحدهما الآخر بأن المسألة صعبة تحتاج إلى مجاهدة وصبر وتربية، ويتعاهدان على المحاولة الجادة لتنفـيذها.. فهذه معالم لكل زوجين وكل شاب وفتاة مقبلين على الزواج، ينشدان السعادة الزوجية، وأسأل الله لكما التوفيق والسداد، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق