رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معجزة إلهية
ختان الإناث

شهدت الساحة الفكرية فى الأيام الماضية جدلًا كبيرًا شابه بعض الانتقادات حول مناقشة مجلس النواب المصرى مسألة «ختان الإناث» أو خفاض الإناث من أجل تعديل قانون العقوبات فى شأن تغليظ عقوبة ختان الإناث برفع الحد الأقصى للعقوبة لمن قام بختان أنثى، وتجريم سلوك كل طبيب أو مزاول مهنة التمريض يجرى ذلك من غير ضرورة مقننة.

ومن المتابعة لهذا الجدل الدائر الواسع ما بين مؤيد ومعارض حول هذا الأمر الذى لم يصادم القطعيات أو قولا مجمعًا عليه فقد لاحظت محاولات بعضهم الحثيثة من خلال الطرح والتناول الأحادى الذى يرسخ ثقافة الجمود، والتسفيه من الآخر وإطلاق الأحكام بتخطئة رأيه!

وهو مؤشر خطير يؤكد غياب القيم الحضارية فى إدارة الآراء والأفكار المختلفة بما يمثل عاملا معوقًا لأى تنمية وعمران، وتحديا غير سديد للأمن والاستقرار.

والمتأمل فى أدلة العلماء فى ختان الإناث يرى أنها ضعيفة لا تصلح للاحتجاج عند التحقيق، أما بالنسبة إلى حديث أم عطية الذى يستند إليه بعضهم فى جواز الختان فهو حديث فيه مقال بتعبير العلماء، وعلى فرض صحته فهو محمول على الإرشاد فى بعض القضايا المعينة؛ وكأن النبى كان يرشد أم عطية فى حالة بعينها علمها النبى صلى الله عليه وسلم فأرشدها إلى نصائح فى التعامل الطبى معها.

وقد رأى بعض العلماء أن حديث ختان المرأة مروى من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة لا يصح الاحتجاج بها.

إذن فهذه القضية ليست جديدة الطرح والإثارة، كما أن رأى الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ليس رأيًّا شخصيًّا، إنما هو رأى استقرت عليه الجماعة العلمية بناء على المعارف الطبية الحديثة منذ بدايات القرن الماضى حيث توصل أعلام الأزهر الشريف فى دراساتهم الدقيقة إلى أنها ليست دينية تعبدية من حيث الأصل، وإنما هى من قبيل العادات والأعراف وليست من قبيل الشعائر الدينية، ويجب تركها إذا أثبت العلم ضررها.

لذا نجد الإمام ابن الحاج المالكى يقول فى كتابه «المدخل»: «واختُلف فى حَقِّهنّ: هل يخفضن مطلقًا، أو يُفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب؟».

ويقول المرحوم الشيخ محمد عرفة -عضو جماعة كبار العلماء- فى مقال له منشور فى مجلة الأزهر (عدد 10 لسنة 1952م صفحة 1242): «فإذا ثبت كل ذلك فليس على من لم تختتن من النساء من بأس»، ثم استطرد فقال: «وإذا مُنِعَ فى مصر كما مُنِع فى بعض البلاد الإسلامية كتركيا وبلاد المغرب فلا بأس، والله الموفق للصواب».

ولا شك أنه لما كانت المعارف الطبية السائدة فى العصور الأولى تقرر فائدة ما معتبرة لختان الإناث بنى الفقهاء على ذلك أقوالهم التراثية المنقولة والمتداولة التى يحتج بها البعض حتى الآن، وشبيهٌ بذلك -على سبيل المثال- ما قاله الإمام الشافعى فى كتابه «الأم» فى حكم الوضوء بالماء المشمس: «ولا أكرهه إلا من جهة الطب».

وبذلك تظهر خطورة التمسك بالآراء المنقولة دون التبصر بواقعها ومداركها الشرعيَّة، فمعلومٌ أن الاقتداء بسلف الأمة أن نعيش مناهجهم وأصولهم لا مجرد فتاواهم وتفريعاتهم التى لها ملابساتها وظروفها الخاصة بزمانها، وهى أمور تقرر أن الفتوى تتصل بحقيقة الواقع، وأن المعارف الطبية المستقرة بالنسبة لختان الإناث قد أثبتت أن له مضارًّ كثيرة: جسدية ونفسية؛ مما يجعل المطَّلع على حقيقة الأمر لا يسعه إلا القولُ بالتحريم فضلًا عن الاتفاق حول ذلك، دون تفرق للكلمة واختلافٍ لا مبرر له.

ويستثنى من ذلك بعض الحالات التى تحتاج إلى تدخل جراحى تحت بصر الأطباء لسبب طبى، وهو ما راعاه القانون من أن الختان البعيد عن دائرة الطب والتداوى مجرم قانونًا، وأن الطبيب الذى يقوم بها دون حاجة يقرها الجماعة الطبية فإنه معرض للعقوبات التى يقررها مشروع القانون المقدم، وهى متفقة مع مقاصد التشريع والنظر السديد والاجتهاد المنضبط فى إطار فهمنا للنصوص الشرعية والواقع الذى نتحرك فيه الآن وعلى رأسها شهادة الأطباء وهم أهل الاختصاص.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: