رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خلال محاضرة فى لندن بمناسبة مرور عام على إعلان «كوفيد 19» وباء عالميا:
الفجوة فى توزيع اللقاحات خطر يهدد جهود العالـم للسيطرة على الجائحة

رسالة لندن منال لطفى
الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس مدير منظمة الصحة العالمية

مدير منظمة الصحة العالمية لـ «الأهرام»: ندعو شركات الدواء الكبرى للتنازل مؤقتا عن حقوق الملكية الفكرية

الاستثمار المحلى فى التعليم والصحة طريق الدول النامية لتحقيق التوازن بين الاقتصاد والصحة

الفيروس سيتحور ليكون أكثر شراسة كلما طال الانتظار لإنتاج ما يكفى من الأمصال

 

 

 

 

مر عام على إعلان منظمة الصحة العالمية جائحة كورونا «وباءعالمياً». ففى مارس من العام الماضي، خرجت الجائحة عن السيطرة وانتشرت عبر الحدود والدول بسرعة هائلة، لتصبح أكبر تحد صحى واقتصادى يواجهه العالم منذ 100 عام.

شكلت الجائحة أزمة عالمية غير مسبوقة هزت الأسس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما كشفت الجائحة عن الثغرات الموجودة فى الأنظمة الصحية والاقتصادية حول العالم، ونقاط الضعف حتى فى أغنى الدول وأقوى النظم الصحية.

وفى الذكرى الأولى لإعلان كورونا «وباء عالمياً» يجد العالم نفسه أمام صورة هى مزيج من الإنجازات والاخفاقات. فحتى الآن توفى نحو 2.7 مليون شخص بسبب الوباء. وتشير التقديرات إلى أن الركود الاقتصادى الناجم عن الجائحة، سيكون أسوأ مرتين من الأزمة المالية العالمية عام 2008. وفى بلدان عديدة حول العالم، من أوروبا (مثل السويد) إلى أمريكا الجنوبية (مثل البرازيل) تمت صياغة الاستجابة للوباء كخيار بين الصحة والاقتصاد، ما أدى إلى نتائج سلبية صحياً واقتصادياً.

لكن من ناحية أخرى، طور العالم بسرعة قياسية غير مسبوقة عددا من اللقاحات ضد كورونا. غير أن هذا الانجاز العلمى الكبير شابته «حرب لقاحات» غير مسئولة بين الدول الغنية، التى فرضت قيوداً على تصدير اللقاحات خارج أراضيها، فى تجسيد مقلق لنهج «بلدى أولاً».

ففى فبراير الماضي، أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تتبرع بأى جرعات للدول الفقيرة، حتى يتوفر لديها إمدادات وفيرة. بعد ذلك بأيام، اتخذت الهند إجراءات صارمة ضد صادرات اللقاحات. أما بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فدخلا فى حرب ضروس حول الحمائية والقومية والمصل، وسط اتهامات من بروكسل للندن، بمنع شركة «اكسفورد-استرازنيكا» من الوفاء بتعهداتها مع أوروبا وإعطاء الأولوية لبريطانيا، ما دفع المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي، لوضع قيود على صادرات المصل خارج أوروبا.

 

ويقول الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، مدير عام منظمة الصحة العالمية، إنها صورة مختلطة ومتضاربة لحصاد العالم بعد عام طويل وصعب من الجائحة.

وأوضح لـ«الأهرام» أن العالم استطاع بسرعة خارقة وخلال عام واحد، تطوير عدد من اللقاحات الفعالة لمواجهة كورونا. فلم يحدث من قبل أن تم تطوير لقاحات ضد وباء جديد بهذه السرعة، لكن مع ذلك، هناك معضلات كبرى تواجه العالم رغم تطوير المصل، من بينها الانتاج. فعدد قليل من شركات الدواء الكبرى حول العالم لديها المعرفة اللازمة لانتاج المصل، وعدد محدود آخر من الشركات حول العالم، يقوم بانتاج المصل، ما يجعل المعروض فى الأسواق العالمية أقل بكثير من المطلوب عالمياً، وهو ما أدى إلى اندلاع «حرب لقاحات» بين أوروبا وبريطانيا وإلى صدور قرار إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن، بعدم تصدير أى لقاحات للخارج، إلا بإذن مسبق من السلطات الفيدرالية.

ويوضح دكتور تيدروس لـ«الأهرام» أن «مسارعة الخطى على مسارين كان هدفنا لتطويق الجائحة. المسار الأول، هو تسريع تطوير اللقاحات. والمسار الثاني، هو الاسراع بتوزيع عادل للقاحات. فى المسار الأول ، حققنا نجاحاً ويمكن للعالم أن يرى ذلك.فلدينا العديد من اللقاحات. فى الواقع، فى أقل من عام بعد اكتشاف كوفيد 19 أصبح لدينا عدد من اللقاحات الفاعلة. ولكن فيما يتعلق بالمسار الثاني، أى التوزيع العادل للقاحات، أستطيع أن أقول إننا نتعثر. والسبب فى ذلك هو نهج (بلدى أولاً) أو (قومية اللقاح) هو النهج الذى اتبعته كثير من الدول».

ويتابع موضحاً لـ«الأهرام» :بدأت العديد من البلدان ذات الدخل المرتفع فى تطعيم سكانها منذ ديسمبر من العام الماضي. فى حين أن الدول منخفضة الدخل حصلت على كميات محدودة من اللقاحات وبدأت تطعيم سكانها منذ ثلاثة أسابيع فقط، أى بعد ثلاثة أشهر كاملة من بدء الدول الغنية تطعيم سكانها. وهذا جزء من المشكلة فقط، فما يقلقنا الآن هو: أولا هناك العديد من البلدان التى لم تتلق أى لقاحات حتى الآن، وهذا تحدٍ كبير. فلدينا فى منظمة الصحة العالمية هدف لبدء برنامج تطعيم فى جميع دول العالم بحلول 7 إبريل المقبل، وهذا يبدو تحديا صعبا. ثانياً، تحتاج البلدان التى بدأت التلقيح الحصول على تدفق مستمر من اللقاحات، وهذا تحدٍ آخر. والأمر الذى يمكن أن يٌظهر لك الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون هو أن برنامج التطعيم العالمى (Covax) يعمل على أن يتم تطعيم نحو 20٪ من سكان الدول المحدودة الدخل بنهاية 2021، فى حين أن الهدف بالنسبة للعديد من البلدان ذات الدخل المرتفع، هو تطعيم أكثر من 80٪ من سكانها بحلول الصيف. تخيل الفجوة بين 20٪ و 80٪، لذا فإن مشكلة الإنصاف والعدالة فى توزيع اللقاح موجودة، وهى تهدد جهود العالم للسيطرة على الجائحة».

وفى محاضرة بـ«كلية لندن للعلوم الاقتصادية»، بمناسبة مرور عام على إعلان كوفيد 19 وباء عالمياً، وشاركت فيها «الأهرام» ، أشار دكتور تيدروس، إلى إنه يجب على الدول الغنية أن تدرك أن خدمة المصالح قصيرة المدى، هو أمر سينقلب عليها فى نهاية المطاف. فمشروع انتاج وتوزيع المصل على كل دول العالم (Covax) التابع لمنظمة الصحة العالمية، والذى يهدف لإبقاء أسعار اللقاحات منخفضة، وتوزيع الجرعات على بلدان العالم بشكل «أكثر عدالة»، و«بناء على الحاجة»، يتعثر بسبب ضعف التمويل وأنانية الدول الغنية.

ومع أن البرنامج يهدف إلى تطعيم 20% فقط من سكان الدول منخفضة الدخل فى العالم، إلا أن البرنامج يواجه عجزاً يصل إلى مليارى دولار، لتحقيق ذلك الهدف البسيط. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، رفضوا اقتراحاً تقدمت به دول مثل الهند وجنوب إفريقيا، للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية الخاصة بلقاحات كوفيد 19.

وتم تحذير بعض أفقر دول العالم بالفعل، من حدوث تأخير فى تسليم لقاحات كوفيد 19 لهم، من خلال برنامج توزيع اللقاحات المدعوم من الأمم المتحدة، وذلك أثر ضربة مزدوجة، تمثلت فى تباطؤ الانتاج فى مصانع فى كوريا الجنوبية والهند، ونكسات فى تأمين تراخيص التصدير من الولايات المتحدة وأوروبا، ما يهدد تسليم 50 مليون جرعة للدول محدودة الدخل خلال شهر أبريل المقبل.

فبعض الدول التى تتوقع جرعات خلال الأسبوع الأول من إبريل المقبل، مثل جنوب السودان وموريشيوس والعراق والبوسنة والهرسك واليمن ، التى أعلنت حالة طوارئ صحية مع استفحال موجة ثانية من الإصابات، لا تدرى حتى الآن ما إذا كانت ستتسلم فعلاً الجرعات المخصصة لها ولا كيف ستتأثر عمليات التسليم، بسبب التباطؤ فى عمليات الانتاج، وتنافس الدول الغنية على أخذ الحصص المتوفرة من الأمصال فى الأسواق العالمية.

خطر العودة للمربع رقم واحد

هذه الاستراتيجيات الحمائية لها تكلفة صحية واقتصادية وأمنية كبيرة على دول العالم، بما فى ذلك الدول الغنية. فلن يكون هناك مكان آمن وحده بمعزل عن ما يحدث فى بقية دول العالم. فحتى إذا استطاعت دولة أوروبية أو أمريكا، إعطاء مصل لـ70% أو 80% من سكانها خلال الأشهر القليلة المقبلة، فلن يؤدى ذلك وحده إلى إعادة فتح الاقتصاد وحرية السفر والتنقل والعمل، لأنه سيكون هناك دائما مخاوف من الفيروسات المتحورة، التى تأتى من دول العالم التى ما زالت تعانى من ارتفاع معدلات الإصابة، لأنه كلما ارتفعت المعدلات زادت احتمالات ظهور أنواع متحورة تستعصى على الأمصال الموجودة حالياً، ما يعنى عودة العالم للمربع رقم واحد.

لكن كيف يمكن تطبيق الديمقراطية على عملية انتاج وتوزيع اللقاح ؟، يقول دكتور تيدروس لـ«الأهرام»: «علينا أن نبدأ بحل المشكلة الحالية والبحث عن طرق لإنهاء هذا الوباء فى أسرع وقت ممكن، بتحقيق توزيع عادل للقاحات الآن. ويمكننا أن نفعل ذلك، هذا فى أيدينا. وقد اقترحنا بالفعل فى منظمة الصحة العالمية أفكاراً محددة، من بينها الترخيص الطوعي، أى أن تعطى شركات الدواء الكبرى حق إنتاج المصل لدول وشركات آخرى حول العالم بأسعار مخفضة، لتسريع وتيرة انتاج وتوزيع المصل بعدالة، مقابل إعطاء تعويض مالى لتلك الشركات. والخيار الثاني، هو التنازل المؤقت عن حقوق الملكية الفكرية، لأننا فى أوقات غير مسبوقة. وأود فى الواقع أن أركز على هذا الخيار، لأننا نشهد أكبر جائحة صحية منذ 100 عام. فإذا لم نستطع التنازل عن حقوق الملكية الفكرية الآن فمتى إذن؟ لماذا لدينا أصلاً هذا البند فى اتفاقية حقوق الملكية الفكرية إذا لم نتمكن من استخدامه خلال هذه الجائحة؟. إذا كنا سنعمل على إضفاء الطابع الديمقراطى على عملية انتاج وتوزيع المصل، فنحن بحاجة إلى أن نكون جادين ونتخذ إجراء الآن وننهى هذه الجائحة فى أسرع وقت ممكن».

خطورة الانتظار

ووفقا لبنود اتفاقية حقوق الملكية الفكرية، فإنه يمكن للشركات والدول حول العالم التنازل عن حقوق الملكية الفكرية فى الحالات التى تهدد باقى سكان العالم.

وبالمعدلات الحالية لانتشار الفيروس وزيادة خطورته، فإنه لا يمكن لبقية دول العالم أن تستمر فى انتظار انتاج شركات الدواء حول العالم لما يكفى من اللقاحات للعالم كله. فكلما طال الانتظار تحور الفيروس وبات أكثر شراسة. وفى نظر منظمة الصحة العالمية، هناك حل تمت تجربته واختباره. فخلال أزمة فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) وافقت منظمة التجارة العالمية على نموذج الترخيص، الذى يسر الوصول إلى الأدوية بأسعار معقولة وعوض شركات الأدوية الكبرى عن خفض أسعار الدواء.

وهذا الحل يبدو مطلوباً أكثر من أى وقت مضى.

فعلى مستوى العالم، تلقى نحو 450 مليون شخص لقاحات ضد كوفيد 19 فى 128 دولة، بينهم نحو 112 مليون شخص فى أمريكا و77 مليونا فى أوروبا، بينهم 30 مليونا فى بريطانيا والباقى فى الهند والصين وروسيا. فيما باقى دول العالم، حصلت على مئات الآلاف فقط من الأمصال عبر برنامج التطعيم العالمى (Covax).

وبينما فى بريطانيا، هناك 45 شخصا من أصل كل 100 شخص، أخذوا المصل، فإن النسبة فى أمريكا، هى 38 شخصا من أصل كل 100 شخص، بينما فى أوروبا 13 شخصا من كل 100 شخص، لكن فى البلاد محدودة الدخل، فإن هناك دولا لم تبدأ أصلاً تطعيم أى من سكانها.

أى أن برامج التطعيم ما زالت فى أول الطريق، أخذا فى الاعتبار أن عدد سكان العالم نحو 8 مليارات شخص. وبالوتيرة الحالية، سيستغرق الأمر سنوات لتحقيق مستوى مقبول من المناعة العالمية. فتحقيق المناعة يستلزم تطعيم نحو 70% من سكان الأرض، وبالتالى يحذر خبراء الصحة حول العالم، من أن النقص الحاد فى تطعيم دول العالم محدودة الدخل، سيكون لها آثار سلبية جدا على كل العالم. ففيروس كورونا لا يعرف الحدود الوطنية وهو سريع الانتشار وبعض أشكاله المتحورة تستعصى على الأمصال الموجودة حالياً وبالتالى بدون تطعيم عادل لكل دول العالم سيحدث عاجلا أو آجلا انهيار فى استراتيجية اللقاح بكاملها وسنظل ندور فى حلقة مفرغة.

أيضاً عدد قليل من البلدان لديها الموارد المالية والمعرفة لابتكار لقاحات كوفيد 19 من الصفر. فأمريكا وأوروبا ومعهم الصين وروسيا طوروا أمصالاً بسرعة كبيرة بفضل قاعدة أبحاث قوية وإنفاق على البنية التحتية الصحية والبحثية.

فكل من أمريكا وبريطانيا وضعت ميزانية تبلغ نحو 20 مليار دولار لشراء الأمصال. وحالياً تنتظر بريطانيا نحو 200 مليون جرعة من فايزر، و500 مليون جرعة من جونسون أند جونسون، و35 مليون جرعة من مودرينا على أن تصل خلال الأشهر المقبلة لمواصلة إعطاء جرعة ثانية وثالثة من المصل. وكل هذا يعنى أن المتاح والفائض للدول محدودة الدخل يتقلص بشكل حاد.

كما أن عدد المصانع التى تنتج الأمصال حول العالم قليلة جدا ولا تكفى حجم الطلب العالمى خاصة وان كل دول العالم تحتاج إلى تطعيم سكانها بجرعتين على الأقل.

حرب ضروس على اللقاح

ووسط الحرب الضروس على اللقاحات وتنافس الدول على الكميات القليلة الموجودة، هناك ارتفاع فى الأسعار وتعطل فى سلاسل التوريد، حيث تقوم أمريكا ودول أوروبية والهند بتخزين منتجات أساسية تدخل فى تصنيع الأمصال، ما جعل شبكة تصنيع الأدوية العالمية هشة وعرضة للانتكاس فى أى وقت.

فمثلاً بريطانيا طلبت شراء 60 مليون جرعة من شركة نوفافاكس الأمريكية. لكن حصول بريطانيا على طلبها مرهون، بألا تفرض إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن قيوداً جديدة على التصدير، كما أن الطلب مرهون بتوافر مكونات رئيسية تدخل فى تصنيع المصل، من بينها مركب طبيعى مستخرج من شجرة لحاء الصابون التشيلى تتم معالجته فى السويد.

هناك حاجة إذن إلى مزيد من القدرات التصنيعية، ويجب على دول العالم تحديث الأمصال طوال الوقت، لمواجهة أى طفرات جديدة. كما يتعين تحقيق معدلات تطعيم أعلى وبسرعة كبيرة حول العالم، للوصول إلى مناعة القطيع. ففى نهاية المطاف هذه هى الاستراتيجية الفعالة الوحيدة للحد من مخاطر المتغيرات الجديدة الأكثر عدوى ، أو المميتة، أو المقاومة للقاحات الحالية.

وإعادة التوزيع العادل للمصل هى خطوة فى صالح العالم كله. ويوضح دكتور تيدروس لـ«الأهرام»: «على سبيل المثال، إذا كانت هناك زيادة كبيرة فى إنتاج المصل وتوزيعه العادل، وإذا تمكنا من تحقيق هدف تطعيم نحو 70% من سكان العالم بحلول نهاية هذا العام، فإنك تحقق مناعة قطيع يمكن أن توقف الفيروس بسرعة، وهذا يعنى أننا سنستعيد حياتنا وسبل عيشنا بأسرع ما يمكن. هذا يعنى أنه من مصلحة كل أمة على وجه الأرض، أن يكون هناك ديمقراطية فى انتاج وتوزيع اللقاح، لأن الجميع يريدون استعادة حياتهم وسبل عيشهم، هذا ليس فقط لمصلحة كل دولة، ولكن لمصلحة كل فرد على وجه الأرض، لأننا جميعاً نريد استعادة حياتنا وسبل عيشنا».

ويوضح مدير عام منظمة الصحة العالمية، إن الاستثمار فى الرعاية الصحية بات مسألة أمن قومي، فى ظل تلك الجائحة وغيرها من الأوبئة المستقبلية، مشدداً على أن هناك علاقة طردية بين الصحة وبين التنمية الاقتصادية، وأن الاستثمار فى الصحة والبنية الصحية، هو أفضل استثمار اقتصادى يمكن أن تقوم به الدول محدودة الدخل. ويوضح:«عندما يكون الناس أصحاء يمكنهم التعلم والابتكار. عندما يمرض الناس يعانى المجتمع بأسره من حالة طوارئ صحية كبيرة، يمكن أن تخرج المجتمع والاقتصاد عن مسارهما. بخلاف أن الصحة مطلوبة لذاتها، فإن الاستثمارات الأكثر فعالية من حيث التكلفة فى مجال الصحة، هى تلك الاستثمارات التى تمنع أو تقلل الحاجة إلى استخدام النظام الصحى أصلاً».

أيضا هناك حاجة لإجراء تغيير كبير فى كيفية استعداد العالم للاستجابة لحالات الطوارئ. ومنظمة الصحة العالمية وبعد جائحة كوفيد 19 أجرت تغييرات، من بينها إنشاء «مجلس مراقبة التأهب العالمي» للاستعداد والاستجابة لحالات الطوارئ الصحية. ويركز المجلس على قضايا رئيسية، من بينها تحسين الاستجابة على المستوى المحلى -الوطني، وتعزيز التعاون والشراكة الدولية.

فبدون تنسيق عالمي، لن تكون هناك طريقة لإيصال اللقاحات إلى 8 مليارات شخص فى العالم. فلن يتم تطعيم الكرة الأرضية مرة واحدة. هناك حاجة ملحة لجرعتين أو ثلاث من التطعيم حتى يصل العالم لمستوى مقبول من المناعة التى تحمى ضد ظهور فيروسات متحورة جديدة.

وحول دروس المستقبل بالنسبة للدول محدودة الدخل، يقول دكتور تيدروس لـ «الأهرام» «أحد دروس الجائحة، هو ضرورة الاستثمار فى الانتاج المحلي. فى منظمة الصحة العالمية نريد تسريع وتيرة الانتاج المحلي، وجعله مبادرة طويلة المدى، لمواجهة أى وباء أو جائحة فى المستقبل. فأى شئ يمكن أن يحدث. لذلك نحن بحاجة إلى زيادة الطاقة الإنتاجية وتشجيع الاستثمار فى الإنتاج المحلى فى الدول النامية. على المدى الطويل، هناك توصيات سنقدمها، ولكن مدى جديتنا فى المستقبل، سيقاس بالإجراء الذى نتخذه الآن، وخاصة فيما يتعلق بالتنازل عن حقوق الملكية الفكرية. فهذا هو الشئ الذى بيدنا الآن».

يختلف العلماء على كثير من الأشياء، لكن من الأشياء القليلة التى يتفقون عليها، أن الجائحة الحالية لن تكون الآخيرة. فالسؤال، هو متى وليس ما، إذا كان العالم سيشهد جائحة مماثلة فى المستقبل. وأخذاً فى الاعتبار الطريقة التى تعامل بها العالم مع الجائحة الحالية، فإن هناك كثيرا من الدروس المستفادة، من بينها الحاجة إلى «ديمقراطية عالمية» فى مسألة انتاج وتطوير وتوزيع الأمصال. تحقيق هذا يتم عبر تعزيز التعاون الدولي، والقضاء على الحمائية والأبواب المغلقة أمام تبادل المعرفة والتنازل مؤقتاً عن حقوق الملكية الفكرية. أيضاً على الدول محدودة الدخل تطوير بنيتها التحتية، للبحث والتطوير، والاستثمار فى القطاع الصحى عموما، والأمراض الوبائية تحديداً.

فتجربة الـ12 شهراً الماضية أوضحت، أنه عند لحظة الاختبار تعود الدول لمبدأ الحمائية والقومية، ما يجعل مسألة تطوير اللقاحات لمواجهة أى أوبئة مستقبلية مسألة ليست صحية واقتصادية فقط، بل أمنية أيضا، فتطوير اللقاحات بسرعة طالما توافرت البنية التحتية، بمثابة كسب نصف المعركة أمام الجائحة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق