رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تقاطعات الجغرافيا السياسية والنشاط النسوى

عندما نزلت النساء إلى الشوارع خلال تظاهرات الربيع العربى، عاد موضوع النسوية فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى دائرة الضوء الدولية. وبرزت دراسات تحاول تحليل أسباب عدم المساواة بين الجنسين فى المنطقة كنتيجة لمشاكل ثقافية أو دينية فى الأساس، متجاهلين الطبيعة السياسية لنشاط هؤلاء النساء. كما تم تجاهل التاريخ الطويل لنضال المرأة العربية والمصرية قبل الربيع العربى لدرجة أن الكثيرين بالخارج تعاملوا مع نضالها ومشاركتها فى تلك الثورات كحدث استثنائى وظاهرة فريدة لم تحدث من قبل، وهى رؤية جانبها الصواب بدرجة كبيرة.

عن تقاطعات الجغرافيا السياسية والنشاط النسوى؛ يأتى كتاب «تجسيد الجغرافيا السياسية: أجيال من النشاط النسائى فى مصر والأردن ولبنان» لأستاذة السياسة الدولية للشرق الأوسط نيكولا برات، تقدم خلاله تحليلا يركز على علاقات القوة فى السياسة الإقليمية والدولية لفهم كفاح النساء من أجل حقوقهن. تتبع برات نشاط المرأة السياسى منذ الاستقلال الوطنى وحتى الانتفاضات العربية، تجادل بأن النساء الناشطات يعتبرن فاعلات جيوسياسيات حاسمات، موضحة كيف يرتبط تنظيم النوع الاجتماعى ارتباطا وثيقا بممارسة وتنظيم السلطة الجيوسياسية، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على نشاط المرأة.

تسلط برات الضوء على كيفية تعرض حقوق المرأة للتهديد من قبل الفاعلين المتطرفين السياسيين المتشحين بالإسلام الذين تم تمكينهم مع الربيع العربى كجماعة الإخوان المسلمين فى مصر، كما لو أن النساء تمتعن بحقوق متساوية فى ظل الأنظمة الاستبدادية العلمانية السابقة. وتتحدى التفكير الثنائى الذى يربط مشاركة المرأة وحقوقها بالثقافة الغربية العلمانية، وتظهر الطرق المعقدة التى تتشابك فيها مشاركة المرأة وحقوقها مع السلطة الجيوسياسية بمرور الوقت. على وجه التحديد، موضحة كيف تم إنتاج المعايير الجنسانية السائدة تاريخيا فيما يتعلق بالاستعمار، وكيف أن هذه المعايير الجنسانية قد مكنت وقيدت نشاط المرأة وحقوقها، وكيف أدى نشاط المرأة وحقوقها إلى تعطيل السلطة الجيوبوليتيكية المهيمنة، اعتمادًا على السياق التاريخي، مقدمة محاولة لفهم تأثير إرث الاستعمار على تشكيل علاقات النوع الاجتماعى وبناء الدولة والسيادة الوطنية من خلال روايات السرد الشخصى للمرأة التى تبرز دور المرأة المصرية كفاعل اجتماعى مهم خلال فترة ما بعد الاستعمار، خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضى، وتعتبر أن «الجغرافيا السياسية النسوية تهتم بالأبعاد المجسدة للعمليات الجيوسياسية، وكتابة تجارب وتمثيل النساء العاديات (والرجال) فى السياسة الدولية». تُظهر برات كيف كان على النساء أن يتفاوضن بشأن طرقهن الخاصة للقيام بعمل ناشط وفاعل بالمجتمع بعد انتهاء الاستعمار، مشيرة إلى الطابع التقدمى لإدماج المرأة فى التطلعات القومية والاشتراكية من خلال التوظيف والتعليم، مبرزة التناقض فى التشبث بمواد قوانين الأحوال الشخصية أو قوانين الأسرة التى أكدت عدم المساواة بين الجنسين. وتسلط الضوء على تأثير التطورات الجيوسياسية التى أفرزت الحركات الاجتماعية والسياسية الجديدة، مثل نكسة 1967، مما أتاح فرصا لنشاط المرأة والانخراط فى النضالات القومية وتوسيع أدوارها المحلية فى المجال العام ضمن التوجهات السياسية القومية للدولة بعهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

كان خطاب نسوية الدولة وقتها معقدا ومتناقضا، فقد كان التناقض الرئيسى للنسوية فى ظل نظام عبد الناصر يتمثل فى أنه أعطى النساء حرية الوصول إلى المساحات التى ناضلن من أجلها فى المجتمع لفترة طويلة - بما فى ذلك العمل والتعليم - مع إغلاق وتقليل المساحة السياسية وبسط السيطرة على المنظمات المستقلة.شهدت تلك الحقبة أيضا نقاشات ثرية حول الماركسية والاشتراكية، وقد أثر ذلك على الطرق التى تناقش بها النسويات المصريات قضايا الجندر لأنها وفرت عدسة هيكلية يمكن من خلالها فهم عدم المساواة وتحرير المرأة من خلال عدسة الاستقلال، بالمعنى الأوسع للكلمة.

وفقا للتصورات الجيوسياسية كانت الإمبريالية والرأسمالية محورين مهمين لفهم النوع الاجتماعى وتقاطعه مع موقع مصر فى خريطة التفاعلات الدولية وداخل نظام عالمى أوسع. بعد الانفتاح الاقتصادى بعهد السادات بسبعينيات القرن الماضى وصعود الليبرالية الجديدة فى مصر كانت لذلك تأثيرات دراماتيكية على الحركة النسائية. كما أدى الموقف من القضية الفلسطينية ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية إلى انقسامات كبيرة فى نهاية المطاف عندما توجهت النسويات المصريات نحو النسوية العربية كمساحة جديدة يمكن من خلالها بناء التضامن النسوي. 

ومع انتقال مصر إلى الانفتاح الاقتصادى وزوال نسوية الدولة وظهور المنظمات غير الحكومية لتهيمن على الحركة النسائية العربية، والتى لعبت دورا فى تحويل تركيز النسوية التنظيمى بعيدا عن الإمبريالية والرأسمالية، كان لتغير تشابك نشاط المرأة فى إطار الحركات النضالية القومية مع التطورات السياسية والاقتصادية التى أعقبت الحرب الباردة تأثيره أيضا. تصف برات كيف أدى ظهور المنظمات غير الحكومية الممولة من الغرب إلى توفير مساحة خاصة لمطالب حقوق المرأة وأجندة النوع الاجتماعى، مما أدى إلى فصل الناشطات عن النضالات القومية والحركات الشعبية. وتوضح كيف لجأت المرأة لسياسة المقاومة والامتثال معا فى استراتيجيات تحدى الأعراف الجنسانية.

 تبرز برات كيف كان الجندر صراعا أساسيا فى ثورات الربيع العربى عام 2011. خلقت الثورة المصرية مساحة للمرأة للمطالبة بالتحول السياسى، ووضع قضايا السلامة الجسدية وحقوق المرأة على جدول الأعمال من جهة، ومن جهة أخرى، شهدت المرأة المصرية خلال أحداث الثورة عنفا ضدها بسبب تحديها الأعراف السائدة، مما دفع الفاعلين السياسيين لاستخدام ضمان «احترام المرأة» للحفاظ على السلطة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق