رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

زمن الكورونا

عادل سعد;

1
أنتبه لأجد نفسى اتدحرج على السلم، مثل كل يوم فى طريقى للعمل.

ومنذ أربعين عاما مرت من أمام بيتنا دجاجة، لعلها ماتت، وتضحك الآن.. كل صباح من هذا الباب الوحيد أشد الهواء لأتنفس لأتأكد أننى على قيد الحياة.

هذا اللا شىء.

كل يوم أراه، يسحقنى، ويضغط أكثر، لم أعد أحتمل.

لم يطالبنى رئيسى بعمل، ولم أعاقب، ولا توجد خلافات مع زملاء، فقط أنا مكلف بأن أتجول داخل الفراغ، أنا لا شىء، أروح وأجىء كل يوم، ولا أفعل شيئا، ولا يلومنى أحد.

كل يوم ينقص من حياتى يوم.

بعد المعاش المبكر، راتبى سينكمش إلى الثلث، وأنا فى أمس الحاجة لرائحة الجنيهات،لكن أمامى طريقين، أن أتوقف أو أموت.

هل تعرف معنى أن تحضر يوميا، عشرين عاما، كل صباح، لتدق الساعة، ولا تفعل شيئا، وفى الموعد المحدد تنصرف؟.

تراقب المكتب ودوران مروحة السقف والباب والشباك.. لا أرى وجوه هؤلاء الناس الذين يعملون معى، بعضهم لا يستحق العمل فى الأوبرا وأغلبهم لا يستحق الحياة.

أعتقد أيضا أنهم لا يعرفون من أكون؟

بعضهم يظننى خرجت على المعاش أو مت أو غير موجود أو أحد الضيوف.

لن يحدث أى شىء عندما سأختفى، باستثناء أن هواء الغرفة سيتمدد ليملأ فراغا كنت بداخله.

ولن يتأثر الشارع، تقريبا لا أرى المحلات والمطاعم والمقاهى، وكل ما يرهق راتبى، حتى السيارات والأتوبيسات والسرفيس لا أراها، وأعود للبيت سيرا على الأقدام.

لماذا درست الفلسفة؟

لأخرج برأس أحمله على كتفى، يعلوه فراء من الشعر وبداخله بعض العظم واللحم. ككيس من الجلد.. استنفدت كل الإجازات المسموحة، وتلك كارثة، صار الحضور وجوبيا، كل يوم كل يوم.

أسعدنى أن أراك فى آخر يوم عمل، غدا سأبدأ التقاعد على المعاش.

سأصحو وأنام بلا مواعيد.

وغالبا لن أجد ما أفعله.





اعتدت أن أراهم، يسجلون أسماءهم ويستخرجون أوراقا وأحيانا كاسيت، ويتابعون ما يقال فى اهتمام بالغ عند انعقاد ندوة بأحد الفنادق الفاخرة.

وعند النهاية يهرولون نحو البوفيه المفتوح.

كانوا يتبادلون معى الابتسامات والمصافحة باعتبارى وجها مألوفا ويتعاملون بلا قلب مع الأحداث، ويسرفون فى الحرص على الحصول على أوراق وأقلام المؤتمر والتبول داخل دورات المياه.

معظمهم يخفى فى براعة قطعا من الحلوى وأكياس الشاى والسكر داخل حقيبته.

وبالتدريج عرفت.

لم يكونوا يعملوا فى أى صحف ولا فضائيات، حيث يشترى أحدهم جريدة الصباح ويضع علامات تحت الندوات المرتقبة.

كانوا يعملون فى إعلام أكثر صدقا.

كل يوم.

يستعجلون انتهاء المؤتمر أو المحاضرة، وأحيانا لا تكون هناك مائدة ولا هدايا، فيندفع الغضب على ملامحهم وينصرفون فورا قبل أن ينتهى الكلام للبحث عن مؤتمر آخر.. قبل نهاية اليوم.




ماكينة الصرف

للمرة الخامسة أدخل الكارت فى ماكينة الصرف.. كان سعيدا.. ويضع يده على صندوقها.. تقريبا يحتضنها.. وشعرنا بالضجر..عاد يضغط فى عصبية على الرقم السرى.. سحب نقدى.. عمليات أخرى.. تحديد المبلغ.. ثلاثون جنيها.

هل تريد إيصالا؟.. لا.. وترفض الماكينة.

وكنا نقف طابورا خلفه.. وهو ينظر لنا مبتسما محتضنا الماكينة ويعيد المحاولة.

من طول العمليات.. تطوعت سيدة عجوز..

قالت: لا.. إسأل الماكينة عن رصيدك

كان مبتسما واقفا.. وأدخل الكارت من جديد والرقم السرى وضغطت السيدة على رصيد الحساب.. جاءت النتيجة: الحساب صفر.

لعبت عيناه.. ونظر نحونا فى قلق.. كان يريد إعادة محاولة السحب.

وقال:

هناك أربعون جنيها.. قلت: لا.. لا يوجد سوى صفر.

نظر نحوى غاضبا: كيف تقول هذا؟

كانت هناك أربعون جنيها.

هل تعرف أنت أين ذهبت؟

قلت: لا

وأراد أن يجرب الماكينة مرة أخرى..

قالت المرأة إنها - الماكينة - لا تعطى أقل من خمسين جنيها.

قال: لا.. عندى هنا أربعون جنيها.. أريد أن أعرف أين ذهبت؟

قالت: ربما خصموا رسوما إدارية أو ضرائب.. هؤلاء كلهم لصوص

سحب الكارت وتدافعنا واحدا وراء الآخر.. لسحب الراتب.

خرجت بحفنة جنيهات وحدقت بعيدا لعلنى أراه.. لكنه كان قد اختفى.. مع القميص الأبيض.. والذقن شبه الحليق.. والارتعاش.

بعد أيام.. لمحته بالقرب من البيت.. منفردا على إحدى الماكينات الخالية.. كان سعيدا وهو يدخل الكارت للماكينة.. عدة مرات.. ويبتسم ويعيد المحاولة.




أظن هذا اليوم كان الأربعاء.

جاء من آخر المدينة وأخبرنى أن شقيقه مات أو ربما قال إنه سيموت لا أتذكر.

الضجيج كان عاليا فى شوارع يمشى فيها الناس فى كل الاتجاهات.

مشينا يمينا ويسارا وتوقفنا أحيانا من أنفسنا ومن الزحام.

ولما افترقنا كنت أحاول أن أتذكر: لم تقابلنا؟.

لكن كان من الصعب ذلك وإلا سأصطدم بالناس.

لمحت القاعد على مدخل محطة المترو، يطلق مخلوقات عجيبة تصدر أصواتا، ليلعب الأطفال.

يعترض الهابطين إلى النفق، ويتحاشاه الجميع.

دلفت للمترو وبعد خمس محطات نزلت لتغيير الخط وقعدت أنتظر القطار.

فى هذا الاتجاه لا أحد تقريبا، كان الباقى على نهاية الخط محطة واحدة، وكل الناس تقريبا فى الاتجاه الآخر.

كل المقاعد الناعمة خالية، وكنت وحيدا.

من بعيد حضرت وجلست بجوارى وتطلعت باهتمام..

سألتنى: هل تظن أن السماء ستمطر؟

لا أعرف.

وهل صحيح أن هذا الهم سيزول؟

يقولون إن.

وكنت قد نهضت وتركتها خلفى تكمل الكلام.

وصعدت للقطار.

عندما وصلت للبيت حاولت أن أتذكر ماذا كانت تريد أن تقول.

وهل كانت تكلمنى أنا؟

وكنت أجاهد لإيقاف رأسى كى أنام.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق