رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القلب الأخضر

كنت أظن دائما أن «القلب الأخضر» يحصد الورود البيضاء، ولكن ما حدث معى عكس ذلك تماما، فأنا امرأة عمرى سبعة وأربعون عاما، وقلبى كالطفل فى التسامح، وأنتمى إلى عائلة ميسورة الحال، وأب كان يعاملنى كالأميرات، وأم محترمة، وأخ هو ملاذى وسندى، وقد ارتبطت بشاب يشغل مركزا مرموقا، ومنذ الأسبوع الأول لزواجنا أحسست أنه مختلف عن البشر، فعندما يكون فى البيت يظل فى حجرة خاصة به بمفرده، وإذا سافر يكون وحيدا أيضا، وحاولت كثيرا التقرب له كصديقة قبل أن أكون زوجة، ولكنه كان شديد العصبية لأتفه الأسباب، وكان كذلك فى عمله ومع والدته رحمها الله، وأنجبت ابنى قرة عينى الذى تركت العالم من أجله حتى عملى، حيث أخذت إجازة لمدة اثنى عشر عاما، أنجبت خلالها ابنتى، وعشت لهما، وواظبت على حفظ القرآن معهما، وأداء الصلاة فى أوقاتها، ومضت الأوضاع مع زوجى هادئة إلى أن تأكدت من بعض الأمور التى لا أريد التطرق إليها فليسامحه ربى، واعتزلته وبقيت لأبنائى، ولكنه كان أيضا بئس الأب، حيث يضرب ابننا ضربا مبرحا لدرجة أنه دخل المستشفى عدة مرات للعلاج!.

وفى النهاية استخرت ربى، وأخذت ابنىّ، وذهبت إلى منزل والدتى، وانفصلت فى هدوء، وتنازلت عن كل شىء، وبدأت مرحلة «التدليل الزائد» لابنى من والدتى، فكل شىء يطلبه منها تستجيب له، وقد تغيّر تماما، فحتى الصلاة امتنع عنها.. وقد عدت مرة أخرى لوالده، ولكنه زاد سوءا، وأصبح يضرب الولد بصورة أبشع، بل وتعدى عليّ أنا الأخرى بالضرب، وعرفت أنه تعدى على مديره فى العمل، وتم فصله من العمل، وترك ابنى المنزل وظللت أبحث عنه إلى أن وجدته، وذهبت إلى بيت والدتى، وانفصلت عن زوجى للمرة الثانية، ورجعت إلى عملى.. وكافحت مع ابنى حتى تفوّق والتحق بكلية «مرموقة»، وهو الآن على وشك التخرج، لكنه لا يكلمنى، وليس بيننا أى حوار، إذ يريد أن أبيع الشقة التى تعيش فيها والدتى لكى يشترى شقة له فى القاهرة.

لقد وعدته بذلك، وأعترف أننى أخطأت فى موافقتى على إعطائها له، فعندما فكرت فى الأمر وجدت أننى لن يكون لى ولابنتى شىء، إذ لا أملك شيئا غيرها.. إننى منذ دخوله الجامعة وأنا أنتظر سماع صوته لمدة خمس دقائق فى اليوم، وأن يزورنا ولو مرة واحدة فى الشهر.. لقد أعطيته عمرى، ولم أتكلم عن والده بكلمة احتراما له ولأخته، وبعت كل ما أملك لكى يظلا عند نفس مستوى المدارس الراقية التى ألحقتهما بها.

إننى أحس أننى مذنبة، ومن المؤكد أنى قصرت فى شىء ما، وأبكى فى كل صلاة، وأدعو الله أن يحنن قلبه علىّ، فأنا أتنفسه، وهو الابن والصديق.. ماذا أفعل؟.. هل أبيع الشقة، وأعطيه ثمنها؟، ولكن أين سأذهب بأمى وابنتى؟.. إننى لا أستطيع التفكير، وقد وحشنى ابنى جدا، فبماذا تنصحنى؟.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

 

من الواضح أن والد ابنيك يعانى «انطوائية» شديدة، وهو وحده القادر على إخراج نفسه منها، أو الاستمرار فيها إلى الأبد، لكن الواقع يؤكد أنه يرى ذلك شيئا طبيعيا، وهو خاطئ ويجب أن يراجع نفسه، فمن حوله لهم حق عليه فى التحدث معهم وعلاج مشكلاتهم لا أن يضرب ابنه، وعلى النقيض فإن أمه وجدته تدللانه، فكان ما كان من أمر الولد، وإذا كان انطواؤه يجعله يشعر بالراحة، فإنه يسبب الحزن لأهله، وكان عليه ألا يجلس وحيدا معظم الأوقات، وأن يجبر نفسه على الجلوس معهم، وأن يحدد بعض الأهداف اليومية التى تكسر روتينه الممل، مثل زيارة الأصدقاء، والمشاركة فى الأنشطة الخيرية، ومع غياب الأب وقسوته أحيانا تكمن مشكلة الأبناء، فكلما كبر الابن، أصبح مستقلا بذاته بدرجة أكبر، خصوصا فى الجوانب الأساسية من معيشته لكنه يظل معتمدا على والديه فى الحب والحماية والتوجيه والدعم، وهناك أبناء ينمون بدنيا لكنهم لا يستقلون عن آبائهم وأمهاتهم، ولا يعتمدون على أنفسهم فى شئونهم الشخصية.

وتكمن المشكلة فى بعض الممارسات التربوية من البيت كالتدليل أو العنف فى المعاملة، فالتدليل المبالَغ فيه للطفل فى صغره، وتلبية كل رغباته وعدم تكليفه بأى مهام يومية، تفقده خاصية الاعتماد على نفسه، هنا يكون الابن ضعيف الثقة بنفسه وغير قادر على تسيير أموره الحياتية الملحة، وبالطبع فإنه بين التدليل والشدة يأتى التوازن الذى يبعده عن الانعزالية والانهزامية من أفراد المجتمع.

إن مسئوليات الآباء «خطيرة» رغم سهولتها، فهى تدور فى المقام الأول حول توفير الفرص لأبنائهم، وتوفير الدعم اللازم لتحقيق أهدافهم، وتهيئة الوسائل النفسية لهم مثل الحب والتوجيه، وتشجيع جهودهم، كما تشمل الوسائل العملية التنفيذية لمتطلبات تعليمهم والوسائل المادية التى يحتاجونها فى مراحل التعليم مع ضرورة التوسط والاعتدال فيها، حتى لا تأتى المخرجات على عكس المتوقع منهم.

وبكل تأكيد فإن طلب ابنك أن تبيعى شقتك التى تعيشون فيها أمر غير مقبول، ولا يمكن الاستجابة له بأى حال، وقد أقدم على هذا الطلب بسبب تدليلك الزائد عن الحد له، فهو لا يفكر إلا فى نفسه، ولا يعنيه أن تبحثوا عن شقة بالإيجار فى أى مكان، أو أن تقيموا فى أى منطقة مادام سيتحقق له مراده.

إن الأبناء أمانة عند الأب والأم والتربية الصحيحة مسئوليتهما معا، ولا يعقل ترك زمام الأمور لهم ليفعلوا ما يحلو لهم، ولا أن يتم التعامل معهم بغلظة وقسوة، فلا تعصب يجدى ولا تدليل ينفع، وخير الأمور الوسط.. وأرجو أن تشرحى لابنك الوضع، وتقولى له إنك فكرت فى مسألة بيع الشقة، ووجدت أنها «حل مستحيل»، وأنك سوف تساعديه بعد أن يعمل فى شراء شقة بالتقسيط له، ولا تلقى بالا لابتعاده عنك لهذا السبب، وليعلم أنه سوف يندم أشد الندم على تفكيره الساذج، وعليه أن يستمع إلى صوت العقل والحكمة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق