رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«السان سيمونى» الحلوانى الذى بنى مصر

تتحكم نظرية الكر والفر فى استجابة الفرد للأحداث المفاجئة والأخطار الجسيمة، وهى تحدد طريقة استجابة الفرد إما بالهجوم ومواجهة الخطر، وإما بالفرار عندما يشعر أنه لا يستطيع النصر، فيقرر الهروب حفاظا على حياته، أو تجنبا لأضرار أكبر فى حالة المواجهة، وأول من شرحها علميا العالم الأمريكى بهارفارد (والتر كانون) عام 1915،ووصفت بمصطلح الحرب، لوصف حالة الكائنات الفقارية كلها فى حالة الشعور بالتهديد ووضع نظرية الكر والفر الشهيرة بـ: Fight or Flight response عند الشعور بالخطر يفرز الجسم هرمون الأدرينالين من الجهاز العصبى المركزي، وينقل النبضات العصبية إلى الأعضاء المختلفة لتحضير الجسم للاستجابة السريعة عند التعرض لمؤثر خطير، وكذلك يفرز هرمون النورادرينالين من النهايات العصبية للجهاز العصبى الودي، ليساعد فى تجهيز الجسم، بزيادة ضربات القلب وضغط الدم وتوسيع الممرات الهوائية إلى الرئتين وتوزيع الدم على العضلات وتغيير عملية التمثيل الغذائي، للقرار إما بالهجوم وإما بالهروب! يعانى البشر عندما تختل هذه الاستجابة وتسيطر عليهم الصراعات الحياتية، ولا يقدرون على التمييز بين الأخطار والتوافه من الأمور وتحط عليهم المنغصات من كل حدب وصوب، وتزعجهم الحياة بكل ما فيها، فيفرز مع الأدرينالين هرمون الكورتيزول هرمون التوتر بكميات كبيرة، فيعانون القلق الدائم مما يستدعى تدخلا طبيا للسيطرة على الحالة المرضية، التى نتجت من الخلل فى استجابة طبيعية مفيدة للهجوم أو الفرار! تبعا لحكمة الجسد! فحكمة الجسد تتناسب طرديا مع حكمة الفكر! قامت على هذه النظرية البيولوجية استراتيجيات عسكرية للحروب بالمواءمة بين الهجوم والهروب كحروب العصابات القائمة على إضعاف العدو القوى بالهجمات الصغيرة المتكررة والفرار لإنهاكه، وكذلك فى السياسة التى تقوم على المد والجزر فى طبيعتها مع الأوضاع الاجتماعية، أيضا فى الاقتصاد لتحقيق أقصى منفعة ممكنة فى الهجوم على السوق أو الانسحاب منه سواء بسواء. نهضة الأمم أيضا تقوم على نظرية الكر والفر، فيما أعتقد، بتحديد الأولويات والأهداف الكبرى للهجوم على الصعاب والتحديات لتحقيق الأمل المنشود، وكذلك الفرار من الأمور المشتتة للجهد فى معارك لا طائل من ورائها، وفى كل عصر فلسفة عقلانية تقود للمنهج الأمثل لتحديد المسار، وعندما بدأت مصر نهضتها الحديثة على يد (محمد علي) لم تقم إلا على سياسة الكر والفر مع القوى الدولية فى الخارج، ومع المماليك فى الداخل، وعندما استتب له الوضع نسبيا، اختار الهجوم على الواقع المتخلف بالاستعانة بفلسفة العصر العلمية، ففتح المجال لتلاميذ المفكر الفرنسى الاجتماعى الشهير (سان سيمون)، الذى نادى بمجتمع صحى يقوم على الإنتاج والصناعة لخلق مجتمع مدني، يخلو من التناقضات الأيديولوجية فالصناعة والإنتاج تقوم بطبيعتها على العلم والتجربة والإنتاج الجماعي، فتتولد الروح الاجتماعية المتعاونة بين فئات المجتمع المختلفة، فتقضى على النزاعات الدينية والطائفية غير المجدية تلقائيا، فهاجر السان سيمونيين الفرنسيون المؤمنون بالمواطنة والحياة العلمية المنتجة إلى مصر، لينطلقوا منها إلى الفكرة المثالية لتوحيد العالم من مصر، مركز وقلب العالم، وفتح لهم (محمد علي) المجال لإنشاء المشروعات الكبرى كالقناطر الخيرية وافتتاح المدارس ومراكز التدريب المهنى والمصانع الإنتاجية والورش، وتحولت مصر إلى خلية إنتاج، وتوسعت حتى هددت أوروبا والباب العالى ،حتى اتخذوا قرارا – لا يزال ساريا – بلجم مصر فى حدودها، ربما يرجع ذلك إلى أن الباشا استمرأ الهجوم واستسلم لغواية النصر، ولم يعرف الوقت المناسب للفرار مع أنه كان مدركا لخطورة الأطماع الاستعمارية، ورفض اقتراح السان سيمونيين بشق قناة السويس لتصل ما بين البحرين، حتى لا تكون مطمعا للأجانب، حتى نجح (ديليسبس) السان سيمونى فى إقناع سعيد باشا فيما بعد، وأدى ذلك للاحتلال الإنجليزى لمصر!

ففى اعتقادى أن نظرية الكر والفر استراتيجية مجدية للمجتمع والدولة كما هى للإنسان وكل الفقاريات والمحك يكمن فى كيفية إداراتها! اختارت مصر - قيادة وشعبا- إعادة بناء الكيان الوطنى بعد سنوات من الفوضى جراء الربيع المشئوم الذى ضرب المنطقة، مما يتطلب الهجوم على التحديات التى تهدم الدولة وتفتت المجتمع، وتوقد صراعات طائفية وأيديولوجية تجاوزها الزمن، وكما أقبل (محمد علي) على فلسفة العصر، وتمكن السان سيمونى من بناء مصر الحديثة فكان الحلوانى العلمى المنفتح على التطور والعالم، وجعل مصر جميلة بالفكر الاجتماعى المتحضر وحاليا تعيد نفس الكرة ببناء القاعدة الاجتماعية والبنية الأساسية للإنتاج والعمل ولكن وفق فلسفة العصر الحديث القائم على المنهج العلمى التجريبى حتى أن (أوجست كونت) مؤسس علم الاجتماع الحديث أطلق على هذا العلم فى البداية الفيزياء الاجتماعية تمسكا بهذا المنهج لأنه سان سيمونى أصيل! ومع بناء الثقة والاستقرار الاجتماعى ستعود مصر أجمل مما كان! فى ظل الجمهورية الجديدة!


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: